8. خدمة البيت
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ ردّ الإنسانية ورفعَها يبدأ من البيت‏.‏ وعمل الوالدين هو أساس كلّ عمل آخر‏.‏ فالمجتمع مكوّن من الأسر وهو يكون كما يصنعه رؤوس العائلات‏.‏ إنّ من القلب "مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" ‏(‏أمثال 4: 23).‏ وقلب المجتمع والكنيسة والأمّة هو البيت‏.‏ وخير المجتمع ونجاح الكنيسة وازدهار الأمّة ونجاحها، كلّ ذلك يتوقّف على مؤثّرات البيت‏.

إنّ فرص الحياة البيتيّة وأهميّتها ممثّلة في حياة يهوشوه‏.‏ فذاك الذي أتى من السماء ليكون لنا مثالاً ومعلماً قضى ثلاثين سنةً كأحد أفراد البيت في الناصرة‏.‏ والكتاب لا يُخبرنا بشيء عن هذه السنين إلاّ كلاماً موجزاً جدّاً.‏ فلم تسترعِ انتباهَ الشعب معجزاتٌ عظيمة‏.‏ ولم تتأثّر خطواتِه جموعٌ مشتاقة‏,‏ ولاَ أصغت إلى أقواله‏.‏ ومع ذلك فمدى هذه السنين كلّها كان يتمّم رسالته الإلهيّة‏.‏ لقد عاش كواحد منّا مقاسماً الآخرين في الحياة البيتيّة‏,‏ خاضعاً لنظامها‏,‏ ومتمّماً واجباتِها‏,‏ وحاملاً أثقالها.‏ وفي الرعاية الواقية لبيت وضيع‏,‏ وهو يُقاسمنا اختباراتِ حياتنا العاديّة‏,‏ "كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ يهوه وَالنَّاسِ" (لوقا 2: 52).

ومدى سنيّ العزلة هذه كانت تفيض من حياته أنهارٌ من العطف والعون‏.‏ إنّ إيثارَه وصبرَه واحتمالَه وشجاعتَه وأمانتَه ومقاومتَه للتجربة وسلامَه وفرحَه الهاديء كانت إلهاماً دائماً.‏ لقد أدخل إلى البيت جوّاً نقيـّاً وعذباً.‏ وحياتُه كانت تشبه خميرة تعمل عملها في وسط عناصر المجتمع. لم يقل أحدٌ إنّه أجرى معجزة‏,‏ ومع ذلك فإنّ القوّة – قوّة المحبّة المانحة الشفاء – كانت تخرج منه إلى المجرّبين والمرضى والخائري العزم‏.‏ وبدون أن يبدو فضوليّاً خدم الآخرين منذ حداثتِه‏.‏ وبسبب هذا فعندما بدأ خدمته العلنية كان الجمع الكثير يسمعه بسرور.

إنّ سنيّ المخلّص الباكرة هي أكثر من أن تكون مثالاً للشباب‏.‏ فهي درس وينبغي أن تكون تشجيعاً لكلّ والد أو والدة‏.‏ إنّ دائرة واجبات العائلة والبيئة هي أوّل حقل للخدمة لمن يرغبون في العمل لرفع شأن بني جنسهم‏.‏ ولا يوجد حقل للعمل أهمّ من ذلك المُسلّم لمُؤسّسي البيت ‏.‏ لا يوجد عمل مُسّلم لخلائق بشريـّة يتضمّن نتائج أعظمَ أو أبعد مدى من عمل الآباء والأمّهات.

إنّ الذين يقررون مستقبل المجتمع هم شباب اليوم وأولادُه‏.‏ وإنّ ما سيصير إليه هؤلاء الشباب والأولاد يتوقّف على البيت‏.‏ وإنّ الجزء الأكبرَ والأوفرَ من المرض والشقاء والجرائم التي هي لعنة على الإنسانيّة مرجعُه إلى نقص التربية البيتيّة‏.‏ فلو كانت الحياة البيتيّة صادقة وكان الأولاد الخارجون من كنف البيت مؤهّلين لمواجهة تبعات الحياة ومخاطرها لكان التبدّل الذي يحدث ويُرى في العالم يبدو عظيماً!

إنّ جهوداً عظيمة تُبذل‏,‏ فالوقت والمال والعمل تُنفق بدون حدود في مشاريع ومؤسسات لأجل إصلاح حال ضحايا العادات الشرّيرة‏.‏ وحتى هذه الجهود لا تكفي لمواجهة الحاجة العظمى. ومع ذلك فما أتفَه النتيجة!‏ وما أقلَّ من يُنقذَون نهائيـّاً.

إنّ جماهيرَ كثيرةً من الناس يتوقون إلى حياة أفضل‏,‏ إلاّ أنـّه تعوزهم الشجاعة وقوّة العزيمة التي بها يتخلّصون من سلطان العادة‏.‏ إنّهم يتراجعون فلا يبذلون مجهوداً ولا يكافحون ولا يُقدّمون على التضحية المطلوبة فتتحطّم حياتهم وتَهلك‏.‏ وهكذا فحتى الناس ذوو العقول الذكيّة الممتازة والمطامح العالية والقوى النبيلة الذين‏,‏ لولا موقفهم هذا لكانوا بالطبيعة والتهذيب مؤهّلين لأن يملأوا وظائف ذات ثقة ومسؤولية‏,‏ ينحطّون ويهلكون في هذه الحياة والحياة الآتية.

ما أمرَّ الصراع الذي يشتبك فيه أولئك الذين يحاولون استرداد رجولتَهم‏!‏ إنّ كثيرين من الناس في بنيتهم المحطمة طيلة حياتهم وإرادتهم المترنّحة وعقولهم الضعيفة وقوى نفوسهم الواهنة يحصدون ثمار الشرّ الذي قد زرعوه‏.‏ فما أكثر ما كان يمكن عمله لو عُولج الشرّ في باديء الأمر‏!

إنّ المسؤولين عن هذا العمل إلى حدّ كبير هم الآباء‏.‏ ففي المحاولات التي تُبذل لوقف استشراء الإدمان وغيره من الشرور التي تنهش أحشاء المجتمع كالسرطان‏,‏ لو وُجّه انتباهٌ أعظم لتعليم الآباء كيف يصوغون عاداتِ أولادهم وأخلاقَهم لكانت النتيجة الصالحة لذلك تصل إلى مئة ضعف‏.‏ فالعادة التي هي قوّة هائلة تناصر الشرّ,‏ في مقدورهم أن يصيّروها قوّة للخير‏.‏ فعليهم أن يعالجوا النهر من منبعه وواجبهم أن يوجّهوه الوجهة الصحيحة.

ويمكن للآباء أن يضعوا لأولادهم أساسَ حياة صحيّة سعيدة‏.‏ فيمكنهم أن يرسلوهم إلى خارج بيوتهم مزوّدين بقوّة أدبيّة لمقاومة التجربة‏,‏ وبشجاعة وقوّة لمصارعة مشاكل الحياة بنجاح كبير‏.‏ وفي إمكانهم أن يلهموهم بالعزم وينمّوا في نفوسهم القوّة على جعل حياتهم سبباً في تمجيد يهوه وجلب البركة إلى العالم‏.‏ وفي قدرتهم أن يصنعوا لأرجلهم مسالك مستقيمةً في نور النهار وفي ظلام الليل فيرتفعون إلى أعالي السماء المجيدة.

إنّ رسالةَ البيت تمتدّ إلى أبعد من أفراد العائلة‏.‏ فيجب أن يكون البيت المسيحيّ مثالاً يمثّل ويصوّر سمّو المباديء الحقيقية للحياة‏.‏ وهذه الصورة تصبح قوّة للخير في العالم‏.‏ إنّ ما للبيت الأمين من تأثير في قلوب الناس وحياتهم هو أقوى من كلّ العظات التي تُلقى من على المنابر.‏ فإذ يخرج الشباب من مثل هذا البيت فإنّهم يذيعون الدروس التي قد تعلّموها‏.‏ وهكذا تدخل إلى البيوت الأخرى مباديء للحياة أسمى وأشرف‏,‏ مما يؤول إلى بنيان المجتمع ورفع شأنه.

الكرم

ويوجد آخرون كثيرون يمكننا أن نجعل بيوتنا بركة لهم‏.‏ إنّ ولائم السمرِ التي نقيمها ينبغي ألاّ تأتمر بأوامر العرف العالمي‏,‏ بل بأوامر المسيا وروحه وتعاليم كلمته‏.‏ كان الإسرائيليون في كلّ أفراحهم وأعيادهم يشملون بعطفهم وكرمهم الفقير والغريب واللاوي الذي كان مساعداً للكاهن في القدس كما كان معلّماً دينيـّاً وكارزاً.‏ كان هؤلاء يُعتبرون ضيوفاً على الشعب ليقاسموهم كرم ضيافتهم في مناسبات الأفراح الاجتماعية والدينية ولتُقدم لهم أرقّ رعاية في المرض أو الفقر‏.‏ وعلينا نحن أن نرحّب بأمثال هؤلاء في بيوتنا‏.‏ وما أعظم ما يمكن أن يُسرّ مثل هذا الترحيب ويشجع الممرضة المرسلة أو المعلّم أو الأمّ التي أضنت قلبها الهموم والتي تكدّ جاهدة في عملها‏,‏ أو الضعفاء والعجزة الذين في الغالب ما يكونون مشردين بلا مأوى وهم يكافحون مع الفقر وكثير من المفشّلات.

ولقد قال المسيا‏:‏"إذا صنعت غداء أو عشاء فلا تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء لئلا يدعوك هم أيضاً,‏ فتكون لك مكافأة‏.‏ بل إذا صنعت ضيافة فادعُ المساكين الجدع العرج العمي.‏ فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافوك لأنك تكافى في قيامة الأبرار" ‏(‏لوقا ‏14: 12- 14).

هؤلاء هم الضيوف الذين لا تكلّفك استضافتهم كلفة عظيمة‏.‏ فلن تكون بك حاجة أن تُعد لهم وليمة فاخرة أو مُكلفة‏,‏ ولن تحتاج إلى عمل شيء للتفاخر‏.‏ إنّ حرارة الترحيب السارّ,‏ وإفساح مكان لضيف ليجلس أمام مدفأتك‏,‏ أو للجلوس إلى مائدتك‏,‏ أو امتياز اشتراكه معك في بركة ساعة الصلاة‏,‏ ستبدو في نظر كثيرين من أمثال هؤلاء وكأنّها لمحة من سعادة السماء.

يجب أن تنبض عواطفُنا فتتعدّى حدود الذات ونطاق الدائرة العائليّة‏.‏ توجد فرص ثمينة لمن يريدون أن يجعلوا بيوتهم بركة للغير‏.‏ إنّ التأثير الاجتماعي قوّة مدهشة‏.‏ وإذا أردنا يمكننا استخدامها كوسيلة لمساعدة من حولنا.

ينبغي أن تكون بيوتنا ملاذاً للشباب المُجرّبين‏.‏ يوجد كثيرون ممن يقفون في مفترق الطرق‏.‏ فكلّ تأثير وكلّ انطباع إنّما يقرّر الاختيار الذي يُشكّل مصيرهم هنا وفي الأبدية‏.‏ إنّ الشرّ يستهويهم‏.‏ ومواطنَه لامعة ومنيرة وجذابة‏.‏ وهي ترحّب بكلّ قادم إليها‏.‏ ويوجد حولنا من كلّ جانب شباب لا مأوى لهم‏.‏ وكثيرون لا يوجد في بيوتهم قوّة مساعدة تسمو بالنفس‏,‏ لذلك ينساق الشباب إلى الشرّ.‏ وهم ينحدرون إلى الهلاك ضمن ظلال أبواب بيوتنا.

هؤلاء الشباب هم بحاجة إلى يد عطوف تمتدّ إليهم‏.‏ فكلمات الرقّة التي تقال ببساطة مع قليل من الاهتمام الذي يقدّم ببساطة كفيلة بأن تكتسح سحب التجارب التي تتجمّع في سماء النفس‏.‏ إنّ التعبير الصادق للعطف الذي هو وليد السماء لديه القوّة على فتح القلوب التي هي بحاجة إلى عبير الكلام المسيحي واللمسة البسيطة الرقيقة‏,‏ لمسة روح محبّة المسيا‏.‏ فإذا أظهرنا الاهتمام بالشباب ودعوناهم إلى بيوتنا وأحطناهم بالمؤثرات المبهجة المُعّينة فإنّ كثيرين منهم سيغيرون خطّ سيرهم‏,‏ وبكلّ سرور يسيرون صعداً في طريق التقدّم.

فرص الحياة

إنّ مدّة وجودنا في هذا العالم قصيرة‏.‏ ولا نجتاز في هذا الطريق غير مرّة واحدة‏.‏ ففيما نحن سائرون لنستخدمَ الحياةَ أفضلَ استخدامٍ.‏ والعمل الذي نحن مدعوون للقيام به لا يتطلّب مالاً أو مركزاً اجتماعياً أو مقدرة عظيمة‏.‏ إنّما هو يتطلّب روحاً مشفقة منكرة لذاتها وعزماً وطيداً.‏ إنّ المصباح مهما يكن صغيراً فلو حُفظ منيراً قد يكون واسطة في إنارة مصابيح أخرى كثيرة‏.‏ قد يبدو محيط تأثيرنا ضيـّقاً وقد تبدو مقدراتنا ضئيلة والفرص التي لدينا قليلة وعلومنا محدودة‏,‏ ومع ذلك فإنّ لنا إمكانيات مدهشة عن طريق استخدامنا للفرص التي تتيحها بيوتنا بكلّ أمانة‏.‏ فإذا فتحنا قلوبنا وبيوتنا للمباديء الإلهيّة للحياة فسنصير قنوات تجري فيها أنهار القوّة المُحيية‏.‏ وستجري من بيوتنا ينابيع الشفاء مانحة الحياة والجمال والخصب حيث يوجد الآن الجدب والقحط.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
19
Calendar App