10. اختيار البيت وإعداده
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ الإنجيل هو مُبَسِّط مُدهش لمشاكل الحياة‏.‏ فلو أطعنا تعاليمه لوجدنا حلاً لكثير من الأمور المُربكة ولأنُقذنا من أخطاء كثيرة‏.‏ فهو يُعلّمنا أن نقدّر الأشياء بقيمتها الحقيقيّة ونبذل أقصى جهودنا في الأشياء التي لها أعظم قيمة - الأشياء الباقية‏.‏ هذا الدرس يحتاج إلى تعلّمه أولئك الذين تقع على عواتقهم مسؤوليّة اختيار البيت‏.‏ فيجب ألاّ يسمحوا لأنفسهم بالانحراف عن الغرض الأسمى.‏ وليذكروا أنّ البيتَ الأرضي يجب أن يكون رمزاً وإعداداً للبيت الذي في السماء‏.‏ فالحياة مدرسة للتدريب والتعليم يتخرّج فيها الآباء والأولاد ليدخلوا المدرسةَ العاليةَ في مساكن يهوه‏.‏ وعند البحث عن موقعٍ مناسبٍ لبيت فليوجّه هذا الغرض اختيارَ الإنسان‏.‏ لا تسمح لشهوة الغنى بأن تتحكّم فيك ولا كذلك مطالب الموضة أو عادات المجتمع‏.‏ بل فكّر فيما من شأنه أن ينتهي بك بالأكثر إلي البساطة والطهارة والصحّة والقيمة الحقيقيّة.

في كلّ أرجاء العالم صارت المدن مرتعاً للرذيلة‏.‏ وفي كلّ مكان توجد مناظر الشرِّ وضوضاؤه‏.‏ وفي كلّ مكان توجد المغريات الشهوانيّة والخلاعة‏.‏ إنّ تيار الفساد والجريمة يعجّ ويطمو بلا انقطاع‏.‏ وكلّ يوم يحمل إلينا أنباء الاغتصاب والظلم - من سرقات إلي جرائم القتل إلى حوادث الانتحار وغيرها من الجرائم التي لا حصر لها.

إنّ الحياةَ في المدن كاذبة ومصطنعة‏.‏ فالشّهوة الطاغية في سبيل اقتناء الثروة‏,‏ ودوّامة الإثارة,‏ والاهتياج وطلبُ المسرّاتِ والتعطّش إلي التفاخر والمباهاة والترف والإسراف,‏ كلّ هذه قوات تعمل على تحويل عقول جموعٍ غفيرةٍ من بني الإنسان عن الغرض الحقيقي للحياة. وهي تفتح الطريق أمام شرورِ لا حصر لها‏.‏ وأنّ لها على الشباب قوّةً لا يكادون يقوون على مقاومتها.

ومن بين أخبث التجارب وأخطرها التي تهاجم الأولاد والشباب محبّة الملذّات‏.‏ فأيّام العطلة كثيرة والألعاب وسباق الخيل تجتذب الآلاف‏,‏ ودوّامة الاهتياج والسرور تجتذبهم بعيداً عن واجبات الحياة الرشيدة‏.‏ والمال الذي كان يجب أن يُدّخر لصرفه في أشياء أفضل يُبذر على التسليات‏.

وعن طريق عمل شركات الاحتكار ونتائج نقابات العمال والإضرابات تبدو الحياة في المدينة أشقّ مما كانت باستمرار ويوماً بعد يوم‏.‏ إنّ أمامَنا اضطراباتٌ خطيرة‏,‏ والنزوح عن المدينة سيصبح أمراً لا مندوحة عنه لكثير من العائلات.

والبيئةُ الطبيعيةَ في المدن غالباً ما تكون خطراً على الصحّة‏.‏ فالتعرّض المستمرّ للإصابة بعدوى المرض‏,‏ وانتشار الهواء الفاسد والماء الملوث والطعام القذر‏,‏ والمساكن المزدحمة بالسكان والمظلمة وغير الصحيّة‏,‏ هي قليل من كثير من الشرور التي يلاقيها الناس.

لم يكن قصد يهوه أن يُحشر الناسَ في المدن في الشرفات والمساكن‏.‏ ففي بدء الخليقة وُضِع أبوانا في وسط المناظر الجميلة والأصوات التي يرغب في أن نفرح بها في هذه الأيّام‏.‏ فكلّما زدنا قرباً من الانسجام مع تدبير يهوه الأصلي كان موقفُنا أكثرَ توافقاً للحصول على صحّة البدن والعقل والنفس‏.

إنّ الحصول على مسكنٍ غالي التكاليف والأثاثاتِ المتقنةِ الصنع والتفاخر والترف والراحة لا تكفل الشروطَ الجوهريّة لضمان حياة سعيدة نافعة‏.‏ لقد أتى يهوشوه إلي هذه الأرض ليتمّم أعظمَ عمل يمكن إتمامه بين الناس‏.‏ لقد جاء كسفير يهوه ليعلّمنا كيف نعيش بحيث نحصل على أفضل نتائج الحياة‏.‏ فماذا كانت الظروف التي قد اختارها الآب السرمديّ لابنه؟ بيتٌ يقع بين تلال الجليل وعائلةً تُعال بالعمل الأمين الشريف‏,‏ وحياة البساطة‏,‏ والصراعُ مع الصعوبات والمشقّات كل يوم‏,‏ وإنكارُ الذات والاقتصاد والخدمةُ الصابرة المُبهجة‏,‏ وساعةُ للدرس إلى جوار أمّه مع السفر المقدّس المفتوح‏,‏ وسكونُ الفجر ونورُ الغسق في الوادي اليانع‏,‏ وخدماتُ الطبيعة المقدّسة‏,‏ ودراسةُ أعمال الخلق والعناية الإلهيّة‏,‏ وشركةُ النفس مع يهوه - كانت هذه هي الحالات والفرص في حياة يهوشوه الباكرة.

وقد كانت هذه الحال مع الغالبية العظمى من أفضل الناس وأشرفهم في كلّ العصور‏.‏ اقرأ تاريخ إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وداود وأليشع‏.‏ ثم ادرس حياة رجال العصور المتأخّرة الذين بكلّ جدارة ملأوا مراكزهم ذات الثقة والمسؤولية‏,‏ الرجال الذين كان لهم تأثير عظيم في رفع شأن العالم‏.

كم من هؤلاء تربّوا في بيوت ريفيّة‏.‏ إنّهم لم يعرفوا من الترف إلاّ النزر اليسير‏.‏ فلم ينفقوا شبابهم في التسليات‏.‏ إنّ كثيرين منهم كانوا مُجبرين على مكافحة المشقّات والفقر‏.‏ ومنذ صباهم تعلّموا أن يشتغلوا‏,‏ وقد منحتهم حياتهم النشيطة في الهواء الطلق نشاطاً ومرونة لكلّ قواهم‏.‏ فإذ كانوا مضطرّين للاعتماد على مواردهم تعلّموا أن يصارعوا الصعوبات وينازلوها ويتخطوا العقبات‏,‏ فاكتسبوا شجاعة ومثابرة‏.‏ وقد تعلّموا أيضاً درس الاعتماد على الذات وضبط النفس‏.‏ فإذ كانوا إلى حدّ كبير مصونين من المعاشرات الرديئة قنعوا بالمسّرات الطبيعيّة والمعاشراتِ السليمة‏.‏ كانوا بسطاء في أذواقهم ومعتدلين في عاداتهم‏.‏ كانوا يخضعون للمبدأ فشبّوا أطهاراً وأقوياء وأمناء‏.‏ وعندما دُعوا لعمل حياتهم أتوا إليه بالقوّة البدنيّة والعقليّة وخفّة الروح والقدرة على رسم الخطط وتنفيذها والثبات في مقاومة الشرّ مما جعلهم قوّة إيجابية أكيدة للخير في العالم‏.

إنّ سلامةَ البدنِ وسلامةَ العقلِ ونبلَ الأخلاقِ هي ميراث لأولادك يمكنك أن تورّثهم إيّاه أفضلَ بكثير من ميراثِ الثروة والمال الوفير‏.‏ إنّ من يدركون ما يكون نجاح الحياة الحقيقي سيكونون حكماء في الوقت المناسب‏.‏ وهم يجعلون نصبَ عيونهم أبداً أفضلَ ما في الحياة عندما يختارون بيتاً.

فبدلاً من أن تسكن حيث لا يمكنك أن ترى شيئاً آخر غير مصنوعات الناس‏,‏ حيث توحي المناظر والأصوات بالأفكار الشرّيرة مراراً عديدة‏,‏ وحيث يجلب الاضطراب والارتباك والتشويش‏,‏ الضجر والجزع‏,‏ بدلاً من كلّ ذلك انطلق إلى حيث يمكنك أن ترى أعمال يهوه‏.‏ أطلب الراحةَ لروحك في جمال الطبيعة وسكونها وهدوئها‏.‏ متّع نظرَك بالحقول اليانعة والغابات والتلال‏.‏ ثمّ انظر إلى القبّة الزرقاء التي لا يعكّرها تراب المدينة أو دخانها واستنشق هواء السماء المنعش‏.‏ انطلق إلي حيث تكون بعيداً عن ملاهي حياة المدن وتسلياتها وإسرافها,‏ ويمكنك أن تكون في صحبة أولادك وتستطيع أن ترشدهم إلى أن يتعلموا عن يهوه من أعماله‏,‏ وتدربهم على حياة الاستقامة والنفع.

البساطة في التأثيث

إنّ عاداتِنا المصطنعةَ الكاذبةَ تحرمنا من كثير من البركات وكثير من التمتّع‏,‏ وتجعلنا غيرَ أهلٍ لأن نحيا الحياةَ الأكثرَ نفعاً.‏ فالأثاثات المتقنة والغالية الثمن هي مضيعة ليس للمال وحده بل لما هو أثمن من ذلك ألف ضعف‏.‏ فهي تُدخل إلي البيت عبئاً ثقيلاً من الهمّ والتعب والارتباك‏.

ما هي الحالات التي توجد في كثير من البيوت حتى ما كان منها محدود الدخل والموارد‏,‏ وعمل البيت معظمه يكون منصباً على الأمّ؟ إنّ أفضل الغرف تكون مؤثثة على طراز أغلى بكثير مما تحتمله ماليّة الساكنين فيها‏,‏ وهي لا تناسب راحتَهم أو تمتّعَهم‏.‏ وهناك الأبسطةُ الغاليةُ والأثاثُ المنقوش بكلّ إتقان وأناقة والمُنجّد أجملَ تنجيد بأغلى المنسوجات‏.‏ والمناضد ورفوف المدفأة وكلّ فراغ يمكن الحصول عليه تتراكم فيه الزينات والزخارف‏.‏ والجدران تُغطّى بالصور حتى يصير المنظر مُتعباً ومملاً.‏ وما أكثر كميّة العمل المطلوبة لحفظ كلّ هذه الأشياء منسّقة ونظيفة من الأتربة‏!‏ هذا العمل والعادات الأخرى المصطنعة في العائلة تمشّياً مع الموضة‏,‏ تتطلّب من ربّة البيت كدَحاً لا ينتهي.

وفي كثير من البيوت لا يكون لدى الزوجة والأمّ وقت للقراءة لتكون جيّدة الإطّلاع,‏ ولا وقت لديها لتكون رفيقة لرجلها‏,‏ ولا وقت لديها لتكون على اتصال بعقول أولادها النامية المتطوّرة‏.‏ ولا وقت لديها‏,‏ ولا مكان فيه تجعل المخلّص العزيز رفيقَها وأنيسَها القريبَ. وشيئاً فشيئاً تنحدر حتى تُمسى مجرّدَ خادمةٍ للعائلة إذ تُبتلع قوّتها ووقتها واهتمامها في الأشياء التي مآلها إلي الفناء بالاستعمال‏.‏ وبعد فوات الأوان تستيقظُ لتجدَ نفسهَا غريبة في بيتها‏.‏ فالفرص الثمينة التي كانت لديها لتؤثّر في صغارها الأعزّاء للوصول إلي حياة أسمى ذهبت إلى غير رجعة لأنّها لم تحسن استخدامها‏.

فلتعزم ربّاتُ البيوت على أن يعشن عيشة أحكم من هذه‏.‏ ليكن هدفكنّ الأوّل أن تجعلن البيت مُسرّاً.‏ واحرصن على توفير الأمور المساعدة التي تخفف وطأة العمل وتوفّر الصحّة والراحة‏.‏ واعملن على دعوة الضيوف الذين قد أمرنا المسيا بالترحيب بهم على موائدنا والذين يقول‏ عنهم: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (متى 25: 40).

أثّثوا بيوتكم بأشياء بسيطة خالية من الأناقة‏,‏ أشياء تحتمل الاستعمال والتي يمكن حفظها نظيفة بسهولة ويمكن استبدالها بغير كلفة كبيرة‏.‏ فبتدريب ذوقك يمكنك جعل بيتك البسيط جدّاً جذّاباً ومغرياً إذا وُجدت فيه المحبّة والقناعة.

البيئة الجميلة

إنّ يهوه يحبّ ما هو جميل‏.‏ ولقد كسا الأرض والسموات بالجمال‏.‏ وبقلب الآب الفرح يلاحظ ابتهاجَ أولاده بالأشياء التي قد خلقها‏.‏ وهو يريدنا أن نحيطَ بيوتَنا بجمال الأشياء الطبيعية.

يمكن لجميع ساكني الأرياف تقريباً أن يجعلوا حول بيوتهم مرجاً صغيراً مكسوّاً بالأعشاب وقليلاً من الأشجار الوارفة الظلال والشجيرات التي تحمل أزهاراً أو النباتات ذات الأزهار العبقة‏.‏ وهذه ستعمل على إسعاد أهل البيت أكثر من أيـّة زينة صناعيّة‏.‏ وهي ستُدّخل إلي الحياة البيتيـّة تأثيراً ملطّفاً ومهذّباً فتقوّي في السكان محبّةَ الطبيعةِ وتقرّب أفرادَ العائلة من بعضهم البعض ومن يهوه‏.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
26
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
18
Calendar App