1. الأمّ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ الأولاد يكونون كوالديهم إلى حدّ كبير‏.‏ فحالات الوالدين الجسمانيّة وأمزجتهم وقابلياتهم وميولهم العقلية والأخلاقيّة تُرى مُكررة ومنسوخة في أولادهم، إنْ قليلاً أو كثيراً.

فكلّما كانت الأهداف نبيلة وكلّما كانت الهبات العقليّة والروحيّة سامية‏,‏ وكلّما حسنُت قوى الوالدين الجسمانية في نموّها حسنُت المؤهلات والتجهيزات الحياتيّة التي يوّرثونها لأولادهم‏.‏ فإذ يغرس الوالدون في نفوسهم أنبل الأشياء وأفضلها فإنّهم يبذلون جهداً في صوغ المجتمع ورفع شأن الأجيال القادمة‏.

فعلى الآباء والأمهات أن يفهموا مسؤوليتهم‏.‏ إنّ العالم مملوء بالأشراك لاصطياد الشباب‏.‏ وكثيرون تستهويهم حياة المسرّات الشهوانيّة النفسانيّة وهم لا يستطيعون اكتشاف المخاطر الخفيّة أو النهاية المخيفة التي ينتهي إليها الطريق الذي يتراءى لهم أنـّه طريق السعادة. وعن طريق الانغماس في النهم والشهوات تتلف قواهم‏,‏ ويصيب الدمار والهلاك ملايين الناس في هذا العالم والعالم الآتي‏.‏ فعلى الوالدين أن يذكروا أنّ أولادهم لابدّ لهم من أن يواجهوا هذه التجارب‏.‏ فحتى قبل ولادة الطفل ينبغي أن يبدأ الاستعداد الذي يقدّره على أن ينجح ويفوز في حربه ضدّ الشرّ.

والمسؤولية تقع على الأمّ بكيفيّة خاصّة‏.‏ فتلك التي يتغذّى الطفل بدم حياتها‏,‏ ويُبنى جسمُه ويكبر‏,‏ تهبه أيضاً القوى العقليّة والروحيّة التي تشكّل عقله وخُلُقَه‏.‏ إنّ يوكابد الأمّ العبرانيّة هي التي نظراً لقوّة إيمانها لم تخش "أَمْرَ الْمَلِكِ" ‏(‏عبرانيين‏ 11: 23),‏ وقد وُلد منها موسى محرّر العبرانيين‏.‏ و حنَّة الموصوفة بأنها امرأة الصلاة والتضحية والإلهام السماوي‏,‏ هي التي ولدت صموئيل‏,‏ الصبي الذي تلقّى تعليمه من السماء‏,‏ والقاضي النزيه ومؤسّس مدارس الأنبياء المقدّسة‏.‏ و أليصابات نسيبة مريم التي من الناصرة وقريبتها التي تشبهها في روحها هي التي ولدت رائد المخلّص وسابقه‏.‏

الاعتدال وضبط النفس

إنّ الحرص الذي يجب على الأمّ أن تجعله حارساً على عادات حياتها هو ما يُعلّم به الكتاب. فعندما أراد السيَد أن يقيم شمشون مخلّصاً للعبرانيين ظهر "ملاك يهوه" لأمّه وقدّم لها تعليماتٍ خاصةً عن عاداتها وأيضاً عن كيفيّة معاملتها لابنها قائلاً لها: "والآن فلا تشربي خمراً ولا مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً" (قضاة 13:13، 7).

إنّ كثيرين من الوالدين ينظرون إلى أثر المؤثــّرات قبل الولادة على أنّها أمر قليل الأهمّية. ولكن السماء لا تنظر إليها هذه النظرة. فالرسالة المرسلة على فم ملاك يهوه والتي قُدّمت مرّتين بأقدس كيفيّة وبكلّ وقار تدلّ على أنّها تستحقّ منّا أعظم تقدير وأعمق تفكير.

إنّ نفس هذه الكلمات الموجّهة إلى تلك الأمّ العبرانية هي ما يخاطب به يهوه كلّ الأمهات في كلّ عصر. فقد قال الملاك: "من كلّ ما قلت للمرأة فلتحفظ". إنّ خير الطفل وسلامته سيتأثـّران بعادات الأمّ، فيجب أن تضبط ميولَها وشهواتِها بالمبدأ. فيوجد شيءٌ عليها أن تنبذَه وشيءٌ عليها أن تحاربه إذا كان لها أن تتمّم قصد يهوه لأجلها في إعطائِها طفلاً. فإذا كانت ولادة طفلها منغمسة في عادة، أو كانت أنانيّة أو ضجرة أو عنيفة، فهذه الصفات ستنطبع على نفس وليدها. وهكذا ورث كثيرون من الأطفال ميولاً لعمل الشرّ يكاد يكون قهرها أو التغلّب عليها مستحيلاً.

أمّا إذا كانت الأمّ تثبتُ على المباديء الصالحة، وكانت معتدلة ومنكرة لذاتها، وكانت مشفقة ورقيقة وغير محبّة لنفسها فقد تعطي لابنها هذه الصفات الثمينة. إنّ الأمر المقدّم لنهي الأمّ عن تعاطي الخمر كان نهياً قاطعاً وصريحاً. فكلّ نقطة من الخمر تتناولها لإشباع اشتهائها تعرّض الصحّة البدنيّة والعقليّة والأدبيّة لوليدها للخطر، وهي خطيّة مباشرة صريحة ضدّ خالقها.

كثيرون من الناصحين يشددون على وجوب إجابة الأمّ إلى كلّ رغباتها، وأنّها إذا اشتهت أيّ صنف من أصناف الطعام مهما يكن ضاراً بها فينبغي إشباع كلّ رغائبها. مثل هذه النصيحة كاذبة وخبيثة. إنّ حاجات الأمّ الجسديّة ينبغي عدم إهمالها في أيّة حالة. إنّ نفسين تعتمدان عليها فينبغي وضع رغائبها موضع الاعتبار بكلّ لطف ورقّة، ويجب أن تُسد حاجاتها بكلّ سخاء. ولكن في هذا الوقت عليها أكثر من أيّ وقت آخر أن تتجنّب، في الغذاء وفي غيره من الأشياء، كلّ ما يضعف قوّتها الجسميّة أو العقليّة‏.‏ إنّها بموجب أمر يهوه نفسه موضوعة تحت أقدس التزام بممارسة ضبط النفس.

الإفراط في العمل

ينبغي المحافظة على قوّة الأمّ بكلّ رقّة‏.‏ فبدلاً من إنهاك قوّتها الثمينة في عملٍ مُضنٍ,‏ ينبغي أن تُخفّف همومها وأحمالها‏.‏ في كثير من الأحيان لا يكون الزوج والأب ملمّاً بالقوانين الصحّية التي تتطلب منه سلامة العائلة أن يفهمها‏.‏ فإذ يكون مشغولاً في الكفاح لسدّ مطالب المعيشة‏,‏ أو منصرفاً إلى جمع المال‏,‏ ومثقّلاً بالهموم والارتباكات‏,‏ فهو يلقي على كاهل الزوجة والأمّ الأعباء المرهقة لقوّتها في أحرج ظرف‏,‏ فيتسبب عن ذلك الوهن والمرض.

كثيراً ما يمكن للزوج والأب أن يتعلّم درساً من حرص الراعي الأمين ورعايته‏.‏ إنّ يعقوب عندما طُلِب منه القيام برحلة سريعة وشاقّة أجاب قائلاً:

"الأَوْلاَدَ رَخْصَةٌ وَالْغَنَمَ وَالْبَقَرَ الَّتِي عِنْدِي مُرْضِعَةٌ. فَإِنِ اسْتَكَدُّوهَا يَوْمًا وَاحِدًا مَاتَتْ كُلُّ الْغَنَمِ .. أَنَا أَسْتَاقُ عَلَى مَهَلِي فِي إِثْرِ الأَمْلاَكِ الَّتِي قُدَّامِي وَفِي إِثْرِ الأَوْلاَدِ" (تكوين 33: 13، 14).

ففي طريق الحياة الشاقّ على الزوج والأب أن (يستاق) على مهله‏,‏ على قدر ما يحتمل رفيقه في السفر‏.‏ وفي وسط اندفاع العالم الجنوني في طلب الثروة والقوّة ليتعلّم هو التمهّل في سيره ليعزّي ويسند تلك المدعوّة لتسير إلى جانبه.

الابتهاج

يجب على الأمّ أن تربّي في نفسها مزاج البهجة والقناعة والسعادة‏.‏ وكلّ مجهود تبذله في هذه الناحية ستُجزى عنه خيَر الجزاء وأوفَره في كلا الصحّة الجسديّة والأخلاق الأدبيّة لأولادها‏.‏ إنّ الروح الفرحة تزيد من سعادة عائلتها وتحسِّن صحّتها هي إلى حدّ كبير.

ليساعد الرجل زوجته بعطفه وحبّه الذي لا ينضب‏.‏ فإذا أراد أن يحفظها غضّة وفرحة بحيث تكون كإشراقة نور في البيت فليساعدها على حمل أعبائها‏.‏ إنّ حنانه ولطفه وحبّه ستكون مشجّعاً ثميناً لها‏.‏ والسعادة التي يغدقها عليها ستملأ قلبه فرحاً وسلاماً.

أمّا الزوج الشّكِس الأنانّي المعتّز فلا يكون هو وحده تعيساً بل يُلقي ظلاً ثقيلاً من الكآبة على كلّ سكان البيت‏.‏ وسيحصد النتيجةَ حين يرى امرأتَه مكتئبةً وسقيمةً وأولادَه وقد أفسدهم طبعُه الكريه.

وإذا حُرمت الأمّ من الرعاية التي يجب أن تتوفّر لها‏,‏ وإذا تُركت لتُنهك قواها بسبب الإجهاد في العمل أو بسبب القلق والحزن فأولادها سيُحرمون من القوّة الحيويّة والمرونة العقليّة والنشاط المرح الذي ينبغي أن يرثوه عنها‏.‏ ولكن أفضل من هذا بكثير كونّنا نجعل حياة الأمّ فرحةً ولامعةً ومبتهجة‏,‏ ونقيها من العوز والعمل المنهك والهموم الضاغطة‏,‏ فنجعل الأولاد يرثون بنية سليمة بحيث يمكنهم أن يشقّوا لأنفسهم الطريق في الحياة بقوّتهم النشيطة.

وما أعظم الكرامة والمسؤولية الموضوعة على كواهل الآباء والأمّهات في كونهم ينوبون عن يهوه أمام أولادهم‏.‏ فأخلاقهم وحياتهم اليوميّة وطرق تهذيبهم تفسّر كلام يهوه لأولادهم‏.‏ وتأثيرهم إمـّا أن يكسبَ أو يبعد وينفّر ثقةَ أولادهم بأقوال يهوه الصادقة.

امتياز الآباء

سعداء هم الوالدون الذين حياتهم هي انعكاس حقيقي لما هو إلهيّ بحيث أنّ مواعيد يهوه وأوامره توقظُ في نفس الطفل روحَ الشكرِ والوقارِ,‏ الوالدون الذين تفسّر رقتُهم وعدالتُهم وطولُ أناتِهم للطفل محبّةَ يهوه وعدالتَه وطولَ أناته‏,‏ والذين إذ يعلّمون الطفل أن يحبّهم ويثقَ بهم ويطيعهم إنـّما يعلّمونه أن يحبّ أباه السماوي ويثق به ويطيعه‏.‏ فالوالدون الذين يزوّدون الطفل بمثل هذه العطيـّة إنّما يمنحونه كنزاً أثمن من كلّ ثرواتِ الدهور - كنزاً باقياً بقاء الأبد.

إنّ الأطفال المُسلَّمين لرعاية أمهاتهم هم ودائع مقدّسة مُسلّمة إلى كلّ أمّ من يهوه‏.‏ فهو يقول‏:‏ "خذي هذا الابن أو هذه الابنة وربّيه لأجلي‏,‏ وقدّمي له الخُلُق المهذّب على مثال هيكل لكي يضيء خُلُقه في مساكن السيَد إلى الأبد".

كثيراً ما يبدو عملُ الأمّ وكأنّه خدمة عديمة الأهميّة‏.‏ فهو عمل يندر أن يَلقَى تقديراً.‏ فالآخرون لا يعرفون إلاّ القليل عن همومها وأعبائها الكثيرة‏.‏ إنّ أيـّامها تُنفق في حلقة من الواجبات الصغيرة‏,‏ وكلّ منها يتطلّب جهدها الصبور وضبط النفس واللباقةَ والحكمةَ والمحبّةَ المضحّية,‏ ومع ذلك فهي لا تستطيع أن تفتخر بما قد عملت كأنـّه عمل عظيم‏.‏ إنّما هي فقط حفظت الأشياء في البيت سائرة في هدوء‏,‏ وفي كثير من الأحيان وهي متعبة ومرتبكة حاولت أن تكلّم أطفالها بكلّ رقّة ولطف‏,‏ ولتجعلهم مشغولين في عمل وسعداء‏,‏ وحاولت أن ترشدَ أقدامّهم الصغيرة في طريق الصواب‏.‏ وهي تحسّ وكأنـّها لم تفعل شيئا‏.‏ ولكنّ الأمر ليس كذلك‏.‏ إنّ ملائكة السماء يراقبون الأمّ التي أنهكتها الهموم‏,‏ ويلاحظون الأحمال التي تحملها يوماً فيوماً.‏ قد لا يسمع أحدٌ باسمها في العالم ولكنّه مكتوب في سفر حياة الخروف.

فرصة الأمّ

يوجد إلهٌ في السماء‏,‏ والنورُ والمجدُ المنبثقان من عرشه يستقرّان على الأمّ الأمينة وهي تحاول أن تربّي أولادها على مقاومة تأثير الشرّ.‏ لا يوجد عمل آخر يضارع عملها في أهميته‏.‏ فليس عليها أن ترسمَ صورةً جميلةً على القماش كما يفعل الفنّان‏,‏ ولا أن تنقشها من الرخام كما يفعل النحّات‏.‏ وليس عليها أن تجسّم فكرة نبيلة في كلماتٍ قوّية كالكاتب أو الأديب‏,‏ وليس عليها أن تّتشبّه بالموسيقار في التعبير عن لحن عذب‏.‏ ولكن عليها بمعونة يهوه أن تخلقَ في نفسٍ بشريّةٍ الصورةَ الإلهيـّة.

والأمّ التي تقدّر هذا ستعتبر فرصها ثمينةً ونادرةً.‏ وهي ستحاول بكلّ اجتهاد وغيرة‏,‏ في خلقها وبطرق تربيتها‏,‏ أن تقدّم لأولادها المثل الأعلى.‏ وهي بكلّ جدّ وصبر وشجاعة‏,‏ ستحاول أن تحسن استخدامَ مواهِبَها حتى يمكنها أن تستخدم أسمى قوى العقل استخداماً صائباً في تربية أولادها‏.‏ وبكلّ اهتمام وغيرة تسأل عند كلّ خطوة قائلة‏:‏ "ماذا قال يهوه؟" وبكلّ اجتهاد ستدرس كلمتّه وستثّبت نظرها في المسيا حتى يمكن أنّ اختبارَها اليومي وهي تقوم كلّ يوم بواجبها يجعل حياتَها انعكاساً حقيقيّا للحياة الوحيدة الأمينة.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
27
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
19
Calendar App