2. القَـول والعَمَــل
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

(( كان لإنسان ابنان فجاء إلى الأول وقال له يا ابني اذهب اليوم اعمل في كرمي. فأجاب وقال ما أريد. ولكنّه ندم أخيرا ومضى. وجاء إلى الثاني وقال كذلك. فأجاب وقال ها أنا يا سيّد. ولم يمض. فأي الاثنين عمل إرادة الأب. قالوا له الأول )) (متى 28:21 – 31).

قال المسيا في الموعظـة على الجبل: (( ليس كل من يقــول لي يا سيَد يا سيَد يدخل ملكوت السـموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات )) (متى 21:7). إنّ الإخلاص لا يُختبر بالأقوال بل بالأعمال. إنّ المسيا لا يقول لأي إنسان: ماذا تقول أكثر من الآخرين ؟ بل: (( أي فضل تصنعون؟ )) (متى 47:5). إنّ قوله: (( إنّ علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه )) (يوحنا 17:13) هو قول غني بالمعنى. إنّ الكلام لا قيمة له ما لم تصحبه الأعمال اللائقة. هذا هو الدرس الذي نتعلمه من مثل الإبنين.

نطق المسيا بهذا المثل عندما زار أورشليم آخر مرة قبل موته. كان قد طرد من الهيكل من كانوا يشترون ويبيعون. وقد تكلم صوته إلى قلوبهم بقوة يهوه. فإذ ذُهلوا وارتعبوا أطاعوا أمرَه بدون اعتذار أو مقاومة.

فبعدما هدأت مخاوفهم وعاد الكهنة والشيوخ إلى الهيكل وجدوا المسيا يشفي المرضى والمحتضرين. لقد سمعوا صوت الفرح وأغاني الحمد. وفي الهيكل نفسه كان الأولاد الذين عادت إليهم الصحة يلوحون بسعف النخل ويهتفون قائلين أوصنا لابن داود. والأطفال كانوا يلهجون بأصوات الحمد للشافي القدير. ومع ذلك فإن هذا كله لم يكن كافيا لقهر تعصّب الكهنة والشيوخ وحسدهم.

وفي اليوم التالي فيما كان المسيا يعلم في الهيكل تقدم إليه رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وقالوا له: (( بأي سلطان تفعل هذا. ومن أعطاك السلطان؟ )) (متى 23:21).

لقد أُعطِيَ للكهنة والشيوخ برهانُُ لا يُدحض على قدرة المسيا. ففيما كان يطهر الهيكل رأوا سلطان السماء يتألق في وجهه. ولم يستطيعوا أن يقاوموا السلطان الذي كان يتكلم به. ثم أيضا عندما كان يقوم بأعمال الشفاء العجيبة كان في ذلك الجواب على سؤالهم. لقد قدّم عن سلطانه البرهان الذي لم يمكن أن يجادل فيه. ولكن ما كان مطلوباً لم يكن هو البرهان. لقد كان الكهنة والشيوخ يتوقون إلى أن يعلن يهوشوه نفسه كمسيا حتى يمكنهم أن يحِّرفوا أقواله ويثيروا الشعب ضدّه. كانوا يريدون أن يقضوا على نفوذه ويقتلوه.

وقد علم يهوشوه أنّهم إذا لم يستطيعوا أن يميزوا يهوه في ذاته هو أو يروا في أعماله البرهان على صفته الإلهية فلن يصدقوا شهادتَه بأنه المسيا. ففي جوابه تجنّب النتيجة التي كانوا يرجون الوصول إليها وجعل الاتّهام يرتدّ على رؤوسهم.

فقال لهم: (( وأنا أيضا أسألكم كلمة واحدة فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضا بأي سلطان أفعل هذا. معمودية يوحنا من أين كانت من السماء أم من الناس؟ ))

وقد ارتبك الكهنة والرؤساء: (( ففكروا في أنفسهم قائلين إن قلنا من السماء يقول لنا فلماذا لم تؤمنوا به ؟ وإن قلنا من الناس نخاف من الشعب. لأنّ يوحنا عند الجميع مثل نبي. فأجابوا يهوشوه وقالوا لا نعلم. فقال لهم هو أيضا ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا )).

(( لا نعلم )) لقد كان هذا الجواب كذباً. ولكنّ الكهنة رأوا المركز الحرج الذي كانوا فيه فكذبوا لكي يحموا أنفسهم. لقد أتى يوحنا المعمدان شاهداً للذي كانوا الآن يشكّون في سلطانه. وقد أشار إليه قائلا: (( هوذا حمل يهوه الذي يرفع خطية العالم )) (يوحنا 29:1). وقد عمّده وبعد المعمودية فيما كان المسيا يصلي انفتحت السموات وروح يهوه مثل حمامة حَّل عليه بينما سُمع صوت من السموات قائلا: (( هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت )) (متى 17:3).

إنّ الكهنة والرؤساء إذ ذكروا كيف كان يوحنا يردّد النبوات الخاصة بالمسيا، وإذ ذكروا المشهد الذي رُئيَ عند عماد المسيا لم يجرؤوا على أن يقولوا إنّ معمودية يوحنا كانت من السماء. فلو اعترفوا بأن يوحنا نبي كما كانوا يعتقدون، فكيف كان يمكنهم أن ينكروا شهادته بأنّ يهوشوه الناصري هو ابن يهوه ؟ كذلك لم يستطيعوا أن يقولوا إنّ معمودية يوحنا كانت من الناس بسبب الشعب الذين كانوا يؤمنون بأن يوحنا نبيّ. ولذلك قالوا : (( لا نعلم )).

حينئذ قدم المسيا مثل الأب والابنين. فعندما جاء الأب إلى الابن الأول وقال له: (( اذهب اليوم اعمل في كرمي )) أجابه الابن قائلا على الفور: (( ما أريد )) رفض أن يطيع وأسلم نفسه إلى طرق شريرة وسار مع عشراءُ أشرار. ولكنه بعد ذلك ندم وأطاع الدعوة.

ثم ذهب الأب إلى الابن الثاني بنفس الأمر قائلا: (( اذهب اليوم اعمل في كرمي )) فأجابه هذا الابن قائلا: (( ها أنا يا سيد )) ولكنه لم يمض.

نجد في هذا المثل أنّ الأب يرمز إلى يهوه والكرم رمز إلى الكنيسة. والابنان يرمزان إلى فريقين من الناس. والابن الذي رفض إطاعة الأمر قائلا: (( ما أريد )) يرمز إلى من يعيشون في العصيان العلني والذين لا يَّدعون التقوى، والذين يجاهرون برفضهم الخضوع لنير الردع والطاعة الذي تفرضه شريعة يهوه. ولكن كثيرين من هؤلاء ندموا بعد ذلك وأطاعوا دعوة يهوه. فعندما جاءهم الإنجيل في رسالة يوحنا المعمدان قائلا: (( توبوا لأنّه قد اقترب ملكوت السموات )) تابوا معترفين بخطاياهم (متى 2:3).

أما الابن الذي قال: (( ها أنا يا سيّد ))ولم يمض فقد ظهرت فيه صفات الفريسيين. إنّ رؤساء اليهود كانوا قساة القلوب ومتكلين على أنفسهم كهذا الابن. لقد صارت الحياة الدينية بالنسبة إلى الأمة اليهودية مجرّد إدعاء. فعندما أعلنت الشريعة على جبل سيناء بصوت يهوه تعهد جميع الشعب بأن يطيعوها. فقد قالوا: (( ها أنا يا سيّد )) ولكنّهم لم يمضوا. وعندما جاء المسيا بنفسه ليضع أمامهم مباديء الشريعة رفضوه، وقد قدم المسيا لرؤساء اليهود في أيامه البرهان الكافي على سلطانه وقدرته الإلهية ولكن مع أنهم اقتنعوا فقد رفضوا قبول البرهان. أراهم المسيا أنهم ظلوا سادرين في عدم إيمانهم لأنّه لم تكن عندهم الروح التي تقود إلى الطاعة. وقد أعلن لهم قائلا: (( فقد أبطلتم وصية يهوه بسبب تقليدكم … وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس )) (متى 6:15 و 9).

وكـان بين الجمع الذين كانوا أمام المسيا كتبة وفريســيون وكهنــة ورؤسـاء، فبعـدما قـدّم مثـل الابنين وجَّــه المسيا إلى سـامعيه هـذا الســـؤال: (( فأي الاثنين عمل إرادة الأب ؟)) فإذ نسي الفريسيون أنفسهم أجابوه قائلين: (( الأول )). قالوا هذا وهم لا يدرون أنّهم إنّما يحكمون على أنفسهم. وحينئذ نطق المسيا بهذا الإنذار: (( الحق أقول لكم إنّ العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت يهوه. لأنّ يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به. وأمّا العشارون والزواني فآمنوا به. وأنتم إذ رأيتم لم تندموا أخيرا لتؤمنوا به )).

لقد جاء يوحنا المعمدان كارزا بالحق وبواسطة كرازته تبكّت الخطاة وتجدّدوا. هؤلاء يسبقون إلى ملكوت السموات من قد قاوموا الإنذار المقدس متّكلين على برّ أنفسهم. كان العشارون والزواني جهلة. أما هؤلاء العلماء فكانوا يعرفون طريق الحق. ومع هذا فقد رفضوا السير في الطريق المؤدي إلى فردوس يهوه. فالحقّ الذي كان ينبغي أن يكون لهم رائحة حياة لحياة أمسى رائحة موت لموت. فالذين كانوا يخطئون جهارا وكانوا يكرهون أنفسهم قبلوا المعمودية على يدي يوحنا، أمّا هؤلاء المعلمون فكانوا مرائين. لقد كانت قلوبهم العنيدة هي العقبة التي منعتهم من قبول الحق. لقد رفضوا تبكيت روح يهوه. ورفضوا الطاعة لوصايا يهوه.

إنّ المسيا لم يقل لهم: أنتم لا تستطيعون دخول ملكوت السموات، بل أراهم أنّ العقبة التي منعتهم هي من صنع أيديهم. كان الباب لا يزال مفتوحا أمام رؤساء اليهود هؤلاء، وكانت الدعوة لا تزال مقدمة. وقد تاق المسيا لأن يراهم متبكتين متجددين.

لقد قضى كهنة إسرائيل وشيوخه حياتهم في ممارسة طقوس دينية اعتبروها أقدس من أن ترتبط بالأعمال الدنيوية. ولذلك كان من المفروض أن تكون حياتهم بجملتها حياة دينية. ولكنهم كانوا يمارسون طقوسهم ليراهم الناس ليظن العالم أنهم أتقياء ومكرسون. ففي حين كانوا عاملين بالحق الذي كانوا يعلّمون به.

وقد أعلن المسيا أنّ يوحنا المعمدان نبي من أعظم الأنبياء، وأبان لسامعيه أنه قد قُدم لهم البرهان الكافي على أنّ يوحنا مرسل من يهوه. فلقد كان نبي البرية يتكلم بقوة وقد حمل رسالته بلا تراجع، موبخا خطايا الكهنة والرؤساء وموصيا إياهم بأن يعملوا أعمال ملكوت السموات. وقد وجه أنظارهم إلى احتقارهم الآثم لسلطان أبيهم برفضهم القيام بالعمل المعين عليهم. إنّه لم يجارِ الخطية وقد رجع كثيرون عن آثامهم.

ولو كان رؤساء اليهود صادقين في ادعائهم لقبلوا شهادة يوحنا وقبلوا يهوشوه كمسيا. ولكنهم لم يظهروا ثمار التوبة والبرّ. ونفس الناس الذين كانوا يحتقرونهم تقدموا نحو ملكوت يهوه قبلهم.

إنّ الابن المذكور في المثل والذي قال: (( ها أنا يا سيّد )) ادَّعى أنه أمين ومطيع، ولكنّ الزمن برهن على أنّ اعترافه لم يكن حقيقيا. لم يكن يحب أباه محبة صادقة. وهكذا كان الفريسيون يفخرون بقداستهم، ولكن لدى الامتحان وُجدت ناقصةً. فعندما قضت مصلحتهم أن يفعلوا هكذا جعلوا مطاليب الناموس صارمةً جدّاً، ولكن عندما كان يُطلب منهم أن يطيعوا فإنّهم بسفسطاتهم الماكرة أفقدوا وصية يهوه قوتها. وقد أعلن المسيا عنهم قائلا: (( حسب أعمالهم لا تعملوا لأنّهم يقولون ولا يفعلون )) (متى 3:23). فلم تكن في قلوبهم محبة صادقة ليهوه أو الإنسان. لقد دعاهم يهوه ليكونوا عاملين معه في جلب البركات إلى العالم، ولكن في حين أنهم قبلوا الدعوة بأفواههم فإنهم بأعمالهم رفضوا الطاعة. لقد اتكلوا على ذواتهم وافتخروا بصلاحهم ولكنهم تحدّوا أوامر يهوه. وقد رفضوا العمل المعين لهم من يهوه وبسبب عصيانهم كان السيَد مزمعا أن يفصل نفسه عن الأمة العاصية.

إنّ البر الذاتي ليس برّا حقيقيا والذين يتعلقون به سيُتركون ليحصدوا نتائج التمسك بخدعة قاتلة. إنّ كثيرين اليوم يدَّعون أنهم يطيعون وصايا يهوه ولكن ليست لهم محبة يهوه في قلوبهم لتفيض على الآخرين. فالمسيا يدعـوهم لمشـاركته في عمـلــه لأجل خـلاص العالم ولكنهم يكتفون بالقـول: (( ها أنا يا سيّد )) ولكنهم لا يمضون. وهم لا يتعاونون مع من يقومون بخدمة يهوه. إنّهم متكاسلون. فكالإبن الخائن يقدمون ليهوه مواعيد كاذبة. فإذ أخذوا على أنفسهم عهدَ الكنيسة المقدس تعهّدوا بقبول كلمة يهوه وإطاعتها، وأن يكرّسوا ذواتهم لخدمة يهوه ولكنهم لا يفعلون هذا. إنّهم بالاعتراف يدّعون أنّهم أبناء يهوه ولكنهم في حياتهم وأخلاقهم ينكرون هذه العلاقة. وهم لا يسلّمون الإرادة ليهوه. فهم يحيون حياة الإدعاء.

ويبدو أنهم يتمّمون الوعد بالطاعة عندما لا ينطوي هذا على أية تضحية، ولكن عندما يتطلّب الأمر إنكار الذات والتضحية، وعندما يرون الصليب الذي يجب أن يحملوه يتراجعون. وهكذا يتلاشى الاقتناع بالواجب ويصير العصيان السافر لوصايا يهوه عادة عندهم. فقد تسمع الأذن كلمة يهوه ولكن القوى الروحية الواعية قد تركت الإنسان. لقد صار القلب قاسيا والضمير موسوما.

لا تظنّ أنّك لكونك لا تبدي للمسيا عداوة صريحة فأنت تقدم له خدمة. فنحن بهذا نخدع أنفسنا. فإذ نمسك عن يهوه ما قد أعطاه لنا لنستخدمه في خدمته سواء أكان ذلك وقتا أو مالا أو أيّ هبة من الهبات المودعة لدينا فإنّنا بذلك نحاربه.

إنّ الشيطان يستخدم بلادة وخمول المعترفين بالمسيحية المتغافلين ليدعُمَ قوّاتِه ويكسب النفوس إلى جانبه. وكثيرون ممّن يظنون أنهم مع كونهم لا يقومون بعمل حقيقي لأجل المسيا فإنهم مع ذلك في صفّه، هؤلاء يساعدون العدو على أن يسبق لاحتلال مواقع وكسب ميزات. إنّ هؤلاء الناس بإخفاقهم في أن يكونوا خداما مجدّين لأجل السيّد، وبتركهم للواجبات دون أن يعملوها، وصمتهم في حين يجب أن يتكلموا – بذلك سمحوا للشيطان بأن يسيطر على نفوسهم التي كان يمكن ربحها للمسيا.

لا يمكننا أبدا أن نخلُصَ في خمولنا وتوانينا. لا يوجد أبدا شخص متجدد تجديداً صحيحاً وهو يعيش حياة عاجزة عديمة النفع. ومن غير الممكن لنا أن ننجرفَ مع التيار إلى داخل السماء. فالسماء لا يمكن أن يدخلها إنسانُُ كسول، فإن لم نجتهد في الدخول إلى الملكوت، ولم نحاول بكلّ غيرة في تعلّم ما يكوّن شرائعها فلسنا مؤهلين للحصول على نصيب فيها. والذين يرفضون التعاون مع يهوه على الأرض لن يتعاونوا معه في السماء. فلا يكون من الأمان أخذهم إلى السماء.

يوجد رجاء للعشارين والخطاة أكثر ممّا لأولئك الذين يعرفون كلمة يهوه ولكنهم يرفضون إطاعتها. فالذي يرى نفسه خاطئا دون أن تكون لديه حجة يعتذر بها عن خطيته، والذي يعرف أنّه دائب على إفساد نفسه وجسده وروحه أمام يهوه يرتعب لئلا يُطرد إلى الأبد من ملكوت السموات. إنّه متحقق من حـالته العليـلة ويلتمـس الشـفاء من الطبيب العظيـم الـذي قـال : (( من يُقبل إليّ فلا أخرجه خارجا )) (يوحنا 37:6). هؤلاء الناس يمكن للسيَد أن يستخدمهم خداما في كرمه.

إنّ الابن الذي رفض طاعة أمر أبيه إلى حين لم يدنْهُ المسيا ولا مدحه. إنّ الفريق الذي يقوم أفراده بدور الابن الأول في رفض الطاعة لا يستحقّون المديح لوقوفهم هذا الموقف. إنّ صراحتهم يجب أن لا تُحسب فضيلة. فالصراحة إذ يقدّسها الحقّ والقداسة كفيلة بجعل الناس شهودا باسلين للمسيا، ولكن إذ يستخدمها الخاطيء فإنّها تنطوي على الإهانة والتحدّي وتكاد تكون تجديفا. إنّ حقيقة كون الإنسان ليس مرائياً تقلِّل من كونه خاطئاً. فعندما تصل دعوات الروح القدس إلى القلب فسلامتنا الوحــيدة هـي في.الاسـتجــابة لهـا بـلا إبطــاء. وعندما تأتي الدعـوة قـائلـة : (( اذهب اليوم اعمل في كرمي )) فلا ترفضها: (( اليوم إنّ سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم )) (عبرانيين 7:4). إنّ تأجيل الطاعة لا يؤمّن جانبه. فقد لا تسمع الدعوة مرّة ثانية أبداً.

ولا يخدعنّ أحد نفسه بالظن أنّ الخطايا التي قد احتضنها بعض الوقت يستطيع بكل سهولة أن يتخلّص منها بعد قليل. إنّ الأمرَ ليس كذلك. فكل خطية يراعيها الإنسان في قلبه تُضعفُ الخُلُقِ وتقوّي العادة، وينتج عن ذلك انحطاط جسماني وعقلي وأدبي. قد تتوب عن خطأ ارتكبته وتسير في طرق الحق، ولكن اتجّاه عقلك وخبرتك بالشرّ سيجعلان من الصعب عليك أن تميّز بين الصواب والخطأ. فعن طريق العادات الشريرة التي كونتها سيهاجمك الشيطان مرارا وتكرارا.

في الأمر القائل: (( اذهب اليوم اعمل في كرمي )) يُمتحَن إخلاصُ كل نفس. فهل سـتكون هنالك أفعالُُ كما توجد أقوال؟ وهل سيستخدم المدعـو كل المعرفة التي عنده ويخدم بأمانة ليس لمصلحته بل لأجل صـالح صاحب الكرم؟

إنّ بطرس الرسول يوصينا فيما يختص بالخطة التي بموجبها يجب أن نخدم. فيقول: (( لتكثر لكم النعمة والسلام بمعرفة يهوه ويهوشوه سيَدنا. كما أنّ قـدرته الإلـهــية قد وهبت لنا كـل ما هو للحياة والتقـوى بمعـرفة الـذي دعـانا بالمجد والفضيلة اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة )).

 (( ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في إيمانكم فضيلة وفي الفضيلة معرفة، وفي المعرفة تعففا وفي التعفف صبرا. وفي الصبر تقوى وفى التقوى مودة وفي المودة الأخوية محبة )) (2بطرس 2:1 – 7).

فإذا كنت بكل أمانة تهذّب كرم روحك فيهوه يجعلك عاملا معه. وسيكون لديك عمل تعمله ليس لأجل نفسك فقط بل أيضا لأجل الآخرين. إنّ المسيا وهو يرمز إلى الكنيسة بالكرم لا يعلّمنا أن نقصر عطفنا وخدماتنا على أفرادها فقط بل يجب توسيع كرم السيَد. وهو يريده أن يمتدّ إلى كل أنحاء الأرض. وإذ نحصل على تعليمات ونعمة من يهوه يجب أن نخبر الآخرين ونعلمهم كيف يعتنون بالاغراس الثمينة. وهكذا يمكننا أن نوسّع كرم السيَد. إنّ يهوه يراقبنا ليرى برهان إيماننا ومحبّتنا وصبرنا. إنّه يتطلع ليرى ما إذا كنا نستخدم كل ميزة روحية لنصير خدّاما ماهرين في كرمه على الأرض حتى يمكننا الدخول إلى فردوس يهوه، أي جنة عدن التي قد طُرد منها آدم وحواء بسبب عصيانهما.

إنّ يهوه يقف من شعبه موقف الأب، وله علينا حقوق الأب في خدمتنا له بأمانة. تأمّلوا في حياة المسيا. فإذ يقف على رأس البشرية خادما أباه يقدّم نفسه مثالا لنا في ما يجب على كل ابن أن يكون وما يمكنه أن يكون. إنّ يهوه يطلب من كل بني الإنسان اليوم أن يقدّموا له طاعة كالتي قدمها المسيا. لقد خدم أباه بمحبة ورغبة وبمحض حرّيته. فقد أعلن قائلا: (( أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررت. وشريعتك في وسط أحشائي )) (مزمور 8:40). إنّ المسيا لم يستعظم أية تضحية ولم يستصعب أي تعب في سبيل إنجاز العمل الذي جاء ليكمله. وفي الثانية عشرة من عمره قال: (( ألم تعلما أنّه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟ )) (لوقا 49:2). لقد سمع الدعوة وبدأ بالعمل. وهو الذي قال: (( طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمّم عمله )) (يوحنا 34:4).

فهكذا ينبغي لنا أن نخدم يهوه. إنّ من يسلك بموجب أسمى مقياس للطاعة هو وحده الذي يخدم. فكل من يريدون أن يكونوا أولاداً ليهوه ينبغي لهم أن يبرهنوا على أنهم عاملون مع يهوه والمسيا وملائكة السماء. هذا هو الاختبار لكل نفس. والذين يخـدمون السيَد بأمـانة يقول عنهم : (( ويكونون لي … في اليوم الذي أنا صانع خاصّة. وأشفق عليهم كما يشفق الإنسان على ابنه الذي يخدمه )) (ملاخي 17:3).

إنّ غرض يهوه العظيم في تنفيذ أعمال عنايته هو أن يمتحن الناس ويمنحهم فرصة لإنماء خلُقهم. وهكذا هو يبرهن ما إذا كانوا مطيعين لأوامره أو عصاة. إنّ الأعمال الصالحة لا تشتري محبة يهوه ولكنها تعلن عن امتلاكنا لهذه المحبة. وإنّ سلمنا أرادتنا ليهوه فإننا لا نعمل لكي نستحق محبة يهوه. ولكننا سنقبل محبته في نفوسنا كهبة مجانية ومن محبتنا له سنسرّ بإطاعة وصاياه.

يوجد في العالم اليوم فريقان، وهما الفريقان اللذان سيُعترَف بهما في يوم الدينونة – الذين ينتهكون شريعة يهوه، والذين يطيعونها. والمسيا يقدم الاختبار الذي به يتبرهن ولاؤنا أو عدم ولائنا. فهو يقول: (( إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي … الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني. والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه واظهر له ذاتي … الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي. والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني )) (( إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما أنّي أنا قد حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته )) (يوحنا 15:14 و 21 و 24 ؛ 10:15).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
11
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
16
Calendar App