3. كَرْمُ السيَد
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

الأمة اليهودية

لقد تبع مثَلُ الإبنين مثَلَ الكرم. ففي المثَل الأول وضع المسيا أمام معلمي اليهود أهمية الطاعة. أما في المثل الثاني فقد أشار إلى البركات الغنية الممنوحة لإسرائيل، وفي هذه أبان حقَّ يهوه في طلب طاعته. وقد وضع أمامهم قصد يهوه المجيد الذي كان يمكنهم إتمامه بالطاعة. وإذ أزاح الستار عن المستقبل أراهم كيف أنّ الأمة كلها بسبب إخفاقها في إتمام قصده خسرت بركته وجلبت على نفسها الدمار.

قال المسيا: (( كان إنسان سيَد بيت غرس كرما وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبني برجا وسلمه إلى كرامين وسافر )) (متى 33:21).

لقد قدم إشعياء وصفا لهذا الكرم فقال: (( لأنشدنَّ عن حبيبي نشيد محبَّي لكرمه. كان لحبيبي كرم على أكمة خصبة. فنقبه ونقى حجارته وغرسه كرم سورق وبنى برجا في وسطه ونقر فيه أيضا معصرة فانتظر أن يصنع عنبا )) (إشعياء 1:5 و 2).

إنّ الكرام يختار قطعة أرض من البرية، ويحيطها بسياج وينقّبها ويفلحها ويغرسها بأجود أنواع الكرم منتظرا محصولا غنيا. إنّه ينتظر أنّ بقعة الأرض هذه في تفوّقها على القفر القاحل ستكرمه بكونها تبيـّن نتائج عنايته وتعبه في إصلاحها وزرعها. وهكذا اختار يهوه لنفسه شعبا من بين العالم ليدرّبه المسيا ويعلّمه. والنبي يقول: (( إنّ كرم يهوه إله الجنود هو بيت إسرائيل وغرس لذته رجال يهوذا )) (إشعياء 7:5). لقد أغدق يهوه على هذا الشعب بركاتٍ وامتيازاتٍ عظيمةً مباركا إياهم بغنى من فيض جوده. وقد انتظر أنّهم يكرمونه بكونهم يأتون بثمر. كان عليهم أن يُظهروا مبادئ ملكوته. ففي وسط العالم الساقط الشرير كان عليهم أن يُظهروا صفاتِ يهوه.

فككرم السيَد كان عليهم أن يثمروا ثمرا يختلف اختلافا كليا عن الأمم الوثنية. فهذه الشعوب الوثنية كانت قد أسلمت نفسها لعمل الشر. فقد انغمس الناس في القسوة والجرائم والطمع والظلم وأفسدوا الأعمال النجسة بغير مانع. فقد كان الإثم والانحطاط والشقاء هي ثمار هذه الشجرة الفاسدة. ولكن الكرم الذي هو من غرس يدي يهوه كان يجب أن يثمر ثمرا يختلف عن هذه الثمار اختلافا ملحوظا.

وقد كان امتيازُُ للأمة اليهودية أن تُظهر صفات يهوه كما قد أظهِرت لموسى. وقد اسـتجاب السيَد لطِلبة موسى : (( أرني مجدك )) بأن وعده قائلا : (( أجيز كلّ جودتي قدامك )) (خروج 18:33 و 19). (( فاجتاز يهوه قدامه ونادى يهوه يهوه إله رحيم رؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء. حافظ الإحسان إلى ألوف. غافر الإثم والمعصية والخطية )) (خروج 6:34 و 7). هذا هو الثمر الذي طلبه يهوه من شعبه. ففي طهارة أخلاقهم وقداسة حيـاتهم ، في رحمـتـهم ورأفـتـهم وإشـفـاقهم كان عليـهم أن يبرهنـوا على أنّ (( ناموس يهوه كامل يرد النفس )) (مزمور 7:19).

فعن طريق الأمة اليهودية قصد يهوه أن يوزع بركاتِه على كل الشعوب. وعن طريق إسرائيل كان يجب إعداد الطريق حتى يشعّ نور يهوه على كل العالم. إنّ أمم العالم بمزاولتها أعمالا فاسدة أضاعت معرفةَ يهوه. ومع ذلك فإنّ يهوه في رحمته لم يمحُها من الوجود. فقد قصد أن يعطيهم فرصة للتعرف به عن طريق كنيسته. وقد قصد أنّ المبادئ المعلنة بواسطة شعبه تكون وسيلةَ إعادة صورة يهوه الأدبية إلى الإنسان.

ولأجل إتمام هذا الغرض دعا يهوه إبراهيم من بين عشيرته الوثنية وأمره بالسكنى في أرض كنعان. فقال له: (( أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك. وتكون بركة )) (تكوين 2:12).

وقد نزل نسل ابراهيم، يعقوب وأولاده، إلى مصر حتى وهُم في وسط تلك الأمة العظيمة الشريرة يعلنون مباديء ملكوت يهوه. هذا وإنّ استقامة يوسف ونزاهته وعمله العجيب في حفظ حياة الشعب المصري كله كانت تصويرا لحياة المسيا. وقد كان موسى وكثيرون غيره شهوداً ليهوه.

وعند إخراج إسرائيل من مصر أظهر يهوه قدرته ورحمته مرة أخرى. وعجائبه التي أجراها في إنقاذهم من العبودية ومعاملاته معهم أثناء ترحالهم في البرية لم تكن لاجل منفعتهم وحدهم. فقد كان القصد منها أن تكون مثلا منظورا للأمم المجاورة. لقد أعلن السيَد نفسه كالإله الذي يسمو فوق كل سلطان وعظمة بشرية. والآيات والعجائب التي أجراها لاجل شعبه برهنت على أن له سلطاناً على الطبيعة وعلى أعظم العظماء الذين عبدوا الطبيعة. لقد اجتاز يهوه ففي وسط أرض مصر المتكبّرة كما سيجتاز في الأرض في الأيام الأخيرة. فبالنار والعواصف والزلازل والموت افتدى أهيه العظيم شعبه. لقد أخرجهم من أرض العبودية. سار بهم في (( القفر العظيم المخوف مكان حيّات محرقة وعقارب وعطش )) وأخرج لهم (( ماء من صخرة الصوَّان )) (تثنية 15:8)، (( وبرَّ السماء أعطاهم )) (مزمور 24:78). فقد قال موسى: (( إن قسم يهوه هو مستوحش خرب. أحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه. كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف ويبسط جناحيه ويأخذها ويحملها على مناكبه هكذا يهوه وحده اقتاد وليس معه إله أجنبي )) (تثنية 9:32 – 12). وهكذا أتى بهم إلى نفسه ليسكنوا في ظل القدير.وقد كان المسيا هو القائد لبني إسرائيل في رحلاتهم عبر البرية. فإذ كان محتجبا في عمود السحاب في النهار وعمود النار في الليل قادهم وهداهم. وقد حفظهم من مخاطر البرية، وأتى بهم إلى أرض الموعد، وأمام عيون كل الأمم التي لم تعترف بيهوه ثبَّت إسرائيل كخاصته المختارة وكرّم السيَد.

هذا الشعب أستؤُمن على أقوال يهوه. وقد أُقيم حولهم سياج من وصايا شريعته – مباديء الحق والعدل والطهارة. فكانت حمايتهم في إطاعتهم لهذه المباديء لأنّ ذلك كان يحفظهم من إهلاك أنفسهم بالأعمال الشريرة. وكالبرج الذي بُني في الكرم أقام يهوه في وسط الأرض هيكله المقدس.

ثم إنّ المسيا كان معلّما لهم. فكما كان معهم في البرية كذلك كان سيظل معلّمهم ومرشدهم. فقد حل مجده في الشكينا المقدس فوق غطاء الرحمة في الخيمة وفي الهيكل. وقد كشف لهم عن غنى محبته وصبره على الدوام.

كان يهوه يتوق لأن يجعل شعبه إسرائيل تسبيحة ومجداً. فقد أعطى لهم كل امتياز روحي. فيهوه لم يمنع عنهم شيئا موافقا أو مساعدا لتكوين الخلق الكفيل بأن يجعلهم نوابا عنه.

إنّ طاعتهم لشريعة يهوه كانت عتيدة أن تجعلهم معجزات للنجاح أمام أمم العالم. فذاك الذي يستطيع أن يمنحهم حكمة ومهارة في كل أعمال الصناعة الحاذقة كان يمكن أن يظل معلّما لهم ويسمو بهم ويرفعهم عن طريق الطاعة لنواميسه. فلو أطاعوا كانوا يُحفظون من الأمراض التي ابتُليت بها الأمم الأخرى وكانوا يبارَكون بالنشاط الفكري. وكان مجد يهوه وجلالُه وقدرتُه تُعلَن في كل نجاحهم. وكانوا يصيرون مملكة كهنة ورؤساء. وقد أمدّهم يهوه بكل ما يساعدهم على أن يكونوا أعظم أمة على الأرض.

لقد أعلمهم المسيا على لسان موسى قصد يهوه بكيفية ثابتة ومحددة، وأوضح لهم شروط نجاحهم فقال: (( أنت شعب مقدس ليهوه إلهك. إياك قد اختار يهوه إلهُك لتكون له شعبا أخصّ من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض … فاعلم أنّ يهوه إلهَك هو الإله. الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلى ألف جيل … فاحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أنا أوصيك اليوم لتعملها. ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظون وتعملونها يحفظ لك يهوه إلهُك العهدَ والإحسانَ اللذَين أقسم لآبائك. ويحبُّك ويباركك ويكثرك ويبارك ثمرةَ بطنك وثمرةَ أرضك قمحَك وخمرَك وزيتَك ونتاجَ بقرِك وإناثَ غنمك على الأرض التي أقسم لآبائك أن يعطيكَ إياها. مباركا تكون فوق جميع الشعوب … ويردُّ يهوه عنك كل مرض وكل أدواءِ مصر الرديئة التي عرفتها لا يضعها عليك )) (تثنية 6:7 و 9 و 11 – 15).

فإذا حفظوا وصايا يهوه فقد وعد بأن يعطيهم أجود الحنطة ويخرج لهم من الصخرة عسلا. ومن طول الأيام يشبعهم ويريهم خلاصه.

إن آدم وحواء قد أضاعا عدن بسبب عصيانهما ليهوه، وبسبب الخطية لُعِنت الأرض كلها. ولكن إذا اتبع شعب يهوه وصاياه فإنّ أرضهم سيُرَدّ إليها الخصب والجمال. وقد أعطاهم يهوه نفسُه توجيهاتِ عن زرع الأرض، وكان عليهم أن يتعاونوا معه على استردادها. وهكذا تصير الأرض، تحت سلطان يهوه مثلا ملموسا لتعلم الحق الروحي. فكما أنّه بالطاعة لنواميس يهوه الطبيعية تخرج الأرض للإنسان خيراتِها وكنوزَها فكذلك في الطاعة لناموسه الأدبي كانت قلوب الشعب ستعكس صفاتِ يهوه وحتى الوثنيون يعترفون بسمو وتفوق من خدموا الإله الحيّ وعبدوه.

وقد قال موسى: (( انظر، قد علمتُكم فرائضَ وأحكاما كما أمرني يهوه إلهي لكي تعملوا هكذا في الأرض التي أنتم داخلون إليها لكي تمتلكوها. فاحفظوا وأعملوا. لأنّ ذلك حكمتكم وفطنتكم أمام أعين الشعوب الذين يسمعون كل هذه الفرائض فيقولون هذا الشعب العظيم إنما هو شعب حكيم وفطن. لأنه أي شعب هو عظيم له آلهة قريبة منه كيهوه إلهنا في كل أدعيتنا إليه ؟ وأي شعب هو عظيم له فرائض وأحكام عادلة مثل كل هذه الشريعة التي أنا واضع أمامكم اليوم؟ )) (تثنية 5:4 – 8).

كان على بني إسرائيل أن يحتلوا كل الإقليم الذي عيّنه يهوه لهم. والأمم التي رفضت أن تعبد الإله الحقيقي وتخدمه كانت ستُطرد من الأرض. ولكن قصد يهوه كان أنه بواسطة إعلان صفاته عن طريق إسرائيل يُجتذب الناس إليه. وكان يجب أن تُقدّم دعوة الإنجيل لكل العالم. وبواسطة تعليم الخدمة الكفارية كان المسيا سيُرفع أمام الأمم وكل من ينظرون إليه يحيون. وكل من يهجرون عبادة الأوثان وخدمتهم. هؤلاء الكرامون طلبوا مجد أنفسهم. فقد أرادوا الاستيلاء على ثمار الكرم. وقد اجتهدوا في تحويل أنظار الناس وولائهم إلى أنفسهم.

إن ذنب هؤلاء القادة في إسرائيل لم يكن كذنب أي خاطيء عادي. فهؤلاء الرجال كانوا تحت أقدس التزام ومسؤولية أمام يهوه. فقد تعهدوا بأن يعلّموا الناس ما قاله السيَد وأن يطيعوا يهوه طاعة دقيقة في حياتهم العملية. ولكنهم بدلا من هذا كانوا يحرّفون الكتب المقدسة. فكانوا يحمِّلون الناس أحمالا ثقيلة ويفرضون عليهم طقوسا تناولت كل خطوة في الحياة. وقد عاش الشعب في انزعاج دائم إذ لم يستطيعوا إتمام كل المطاليب التي فرضها عليهم الأحبار. فإذ رأوا استحالة حفظ وصايا الناس أهملوا في حفظ وصايا يهوه.

وقد أوصى السيَد شعبه وعلّمهم بأنّه هو صاحب الكرم وأنّ كل ما يملكونه قد أُعطيَ لهم كأمانة ليستخدموا لأجله. ولكن الكهنة والمعلمين لم يقوموا بأعمال وظيفتهم المقدسة كما لو كانوا يتصرفون في ملك يهوه. وبانتظام كانوا يسلبون يهوه أمواله وخيراته وهي التي أودعت بين أيديهم لأجل تقدم عمله. إنّ طمعهم وجشعهم جعلاهم محتقرين حتى في نظر الوثنيين. وهكذا أُعطيت فرصة للعالم الأممي ليشوّه صفاتِ يهوه وقوانين ملكوته.

ولكن يهوه احتمل شعبه وصبر عليهم بقلب الآب الصفوح الرحيم. فقد توسّل إليهم بالمراحم التي منحها لهم والمراحم التي أخذها منهم. وبكل صبر جعل خطاياهم أمام عيونهم وبطول أناة انتظر اعترافهم. وقد أرسل إليهم الأنبياء والرسل ليلحوا بحق يهوه على الكرامين، ولكن بدلا من الترحيب بهم عوملوا معاملة الأعداء. فقد أضطهدهم الكرامون وقتلوهم. وقد عاد يهوه فأرسل رسلا آخرين ولكنهم عوملوا بنفس معاملة الأولين، بل ذاد الكرامون في عدوانهم العنيد.

وقد أرسل يهوه أبنه كحل أخير قائلا: (( يهابون ابني )) (متى 37:21). ولكن مقاومتهم جعلتهم ناقمين فقالوا فيما بينهم: (( هذا هو الوارث. هلموا نقتله ونأخذ ميراثه )) (متى 38:21). وحينئذ سنُترك لنستمتع بالكرم ونتصرف في ثمره كما نشاء.

إن رؤساء اليهود لم يحبوا يهوه، ولذلك قطعوا صلتهم به، ورفضوا كل العروض للوصول إلى تسوية عادلة. فالمسيا حبيب يهوه أتى ليثبت حقوق صاحب الكرم، ولكن الكرامين عاملوه بازدراء ملحوظ قائلين لا نريد أن هذا يملك علينا. وقد حسدوا المسيا على جمال خلُقه. وطريقته في التعليم كانت اسمى بكثير من طريقتهم وكانوا يخشون من نجاحه. وقد آلمتهم توبيخاته التي لم يستطيعوا إسكاتها. وقد أبغضوا مقياس البرّ السامي الذي قدمه المسيا على الدوام. ورأوا أن تعليمه وضعهم في كشف عن أنانيتهم فعوَّلوا على قتله. لقد أبغضوا مثاله في الصدق والتقوى والروحانية السامية الظاهرة في كل ما فعل. وقد كانت بجملتها توبيخا لأثرتهم، وعندما جاء الامتحان الأخير، الامتحان الذي كان معناه إما الطاعة للحياة الأبدية أو العصيان للهلاك الأبدي، رفضوا قدوس إسرائيل. وعندما قُدّمت لهم الفرصة ليختاروا إما المسيا أو باراباس صرخوا قائلين: (( أطلق لنا باراباس )) (لوقا 18:23).وعندما سألهم بيلاطس قائلا: (( فماذا أفعل بيهوشوه؟ )) صرخوا بشدّة قائلـين: (( ليُصلب )) (متى 22:27). فلما سألـهم بيلاطس قائلا: (( أأصلب ملككم ؟)) جاء الجواب من أفواه الكهنة والرؤساء: (( ليس لنا ملك إلاّ قيصر )) (يوحنا 15:19). وعندما غسل بيلاطس يديه قائلا: (( إنّي بريء من دم هذا البار )) أشترك الكهنة مع الرعاع الجهلة مصرِّحين بانفعال: (( دمه علينا وعلى أولادنا )) (متى 24:27 و 25).

وهكذا تم اختيار رؤساء اليهود. وقد سُجِّلَ قرارهم هذا في السفر الذي رآه يوحنا في يد الجالس على العرش، السفر الذي لم يستطع أحد أن يفتحه. هذا القرار بكل ما ينطوي عليه من حقد وحب انتقام سيظهر أمامهم في اليوم الذي فيه سيفتحُ هذا السفر الأسدُ الذي من سبط يهوذا.

كان اليهود يعتزون بفكرة كونهم أحبّاء السماء ومحاسيبها وأنهم سيتمجدون دائما ككنيسة يهوه. وقد أعلنوا أنهم أولاد ابراهيم، وقد بدأ أساس نجاحهم ثابتا بحيث كانوا يتحدّون الأرض والسماء عن أن تحرماهم من حقوقهم. ولكنّهم بحياة عدم الأمانة كانوا موشكين على الوقوع تحت دينونة السماء والانفصال عن يهوه.

فبعدما صوَّر المسيا أمام الكهنة آخر أعمالهم الشريرة في مثل الكرم قدم لهم هذا السؤال: (( فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين ؟)) كان الكهنة يتتبعون القصة باهتمام عظيم وبدون أن يلاحظوا علاقة الموضوع بأنفسهم اشتركوا مع الشعب في الإجابة قائلين: (( أولئك الاردياء يهلكهم هلاكا ردياً ويسلم الكرم إلى كرّامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها )) (متى 40:21 و 41).

بدون علمهم نطقوا على أنفسهم بحكم الدينونة. فنظر يهوشوه إليهم، وأمام نظرته الفاحصة علموا أنه كان يقرأ خفايا قلوبهم. لقد تألّقت ألوهيتُه أمامَهم بقوة واضحة جليّة فقد رأوا في الكرّامين صورةً لأنفسهم وعلى رغمهم صرخوا قائلين: (( حاشا! )) (لوقا 16:20).

فسألهم المسيا بوقار وأسف قائلا: (( أما قرأتم قط في الكتب. الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. من قبل يهوه كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم إنّ ملكوت يهوه ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثمـاره. ومن سـقط على هذا الحجر يترضّض ومن سقط هو عليه يسحقه )) (متى 42:21 – 44).

كان يمكن للمسيا أن يبعد الدينونة عن الأمة اليهودية لو كان الشعب قد قبله. ولكن الحسد والغيرة جعلتهم متصلبين. لقد أصروا على عدم قبول يهوشوه الناصري كمسيا. وقد رفضوا نور العالم ومنذ ذلك الحين اكتنفت حياتَهم ظلماتُُ داجيةُُ كظلمة منتصف الليل. والدينونة التي أُنبيء بها حاقت بالأمة اليهودية. ففي غضبهم الأعمى أهلكوا بعضُهم بعضا. فكبرياؤهم المتمرّدة العنيدة جلبت عليهم غضب قاهريهم الرومان. فلقد خُرّبت أورشليم وصار الهيكل خرابا وحرث موقعه كحقل. وقد هلك بنو يهوذا بأرهب الميتات، وملايين منهم بيعوا ليخدموا كعبيد في بلدان وثنية.

لقد أخفق اليهود كشعب في إتمام غرض يهوه فنُزع الكرم منهم. والميزات التي أساءوا استعمالها والعمل الذي استخفوا به استُودع بين أناس آخرين.

كنيسة اليوم

إنّ مثَل الكرم لا ينطبق على الأمة اليهودية وحدَها. ولكنّ لنا فيه درسا. فالكنيسة في هذا العصر قد منحها يهوه ميزاتٍ وبركاتٍ عظيمةً وهو ينتظر نتائجَ تناسب ذلك كله.

إنّنا قد افتُدينا بثمنٍ غالٍ. فبواسطة هذه الفدية وعظمتها يمكننا إدراكَ نتائجها. فعلى هذه الأرض، الأرض التي قد رُويَت تربتُها بدموع ابن يهوه ودمه يجب أن تطلعَ ثمارُ الفردوس. وفي حياة شعب يهوه يجب أن تُعلنَ حقائقُ كلمته مجدَها وسموها. والمسيا سيُظهر صفاتِه ومباديءَ ملكوته بواسطة شعبه.

إنّ الشيطان يحاول أن يقاومَ عمل يهوه وهو على الدوام يلحّ على الناس في قبول مبادئه. وهو يصور شعب يهوه المختار كمن هو شعب مخدوع. إنّه المشتكي على الإخوة، وقوّته على الاتّهام تُستخدَم ضدّ من يصنعون البرّ. والسيَد يرغب بواسطة شعبه أن يجاوب على اتهامات الشيطان بإظهار نتائج الطاعة للمباديء الصحيحة.

هذه المباديء يجب أن تظهرَ في حياة كل فرد مسيحي وفي العائلة والكنيسة وكل مؤسّسة تُقام لأجل خدمة يهوه. فيجب أن يكون الجميع رموزا لما يمكن عمله لأجل العالم. يجب أن يكونوا رموزا لقوّة حقائق الإنجيل المخلصة. وعلى الجميع أن يكونوا أعوانا في إتمام قصد يهوه العظيم للجنس البشري.

كان رؤساء اليهود ينظرون بفخر إلى هيكلهم العظيم وإلى طقوس خدمتهم الدينية المهيبة، ولكن كانت تنقصهم الرحمة والعدل ومحبة يهوه. فمجد الهيكل وبهاء خدمتهم لم يمكنهما أن يعطياهم قبولا لدى يهوه، لأنّهم لم يقدموا له الشيء الوحيد الذي له قيمة في نظره. لم يقدموا له ذبيحة الروح المتواضعة المنسحقة. فعندما تختفي مباديءُ ملكوت يهوه الحيوية تصبح الطقوس عديدة ومسرفة. فعندما يُهمَل بناءُ الخلُق، وعندما لا توجد زينةُ النفس، وعندما يغيب عن الأنظار جمالُ التقوى وبساطتُـها فإنّ الكبرياء وحب التفاخر يتطلبان أن تكون أبنية الكنائس فخمة، وزيناتُها فاخرة واحتفالاتُها مهيبةً. وفي كل هذا لا يُكرَم يهوه – فالديانة التي تتمشّى مع العصر والتي تنحصر في الطقوس والتظاهر والتفاخر غير مقبولة لديه. فخدماتُها لا تجدُ استجابةً من رسل السماء.

إن الكنيسة عزيزة جدا ففي نظر يهوه. وهو يقدرها لا على أساس ميزاتها الخارجية بل على أساس التقوى الخالصة التي تميزها على العالم. وهو يقدرها بنسبة نمو أعضائها في معرفة المسيا وبنسبة تقدمهم في الاختبار الروحي.

إنّ المسيا يشتهي لأن يحصل من كرمه على ثمر القداسة والإيثار. وهو يبحث عن مباديء المحبة والصلاح. إنّ كل جمال الفنّ لا يمكنه أن يضارع جمال الطبع والخلُق الذي يظهر في من يمثلون المسيا. إنّ جوّ النعمة الذي يحيط بنفس المؤمن، والروح القدس العامل في الذهن والقلب هو الذي يجعله رائحة حياةِ لحياةٍ ويجعل يهوه قادرا على أن يباركَ عمله.

قد تكون جماعة هي من أفقر الجماعات في البلاد. وقد لا يكون هنالك أي مظهر خارجي يجذب الناس إليها، ولكن إذا كان لأعضائها مبادئ صفات المسيا فسيملأ فرحُه نفوسهم. والملائكة سيشاركونهم في عبادتهم. وستصعد أغاني الحمد والشكر من القلوب الشاكرة كتقدمة طيّبة مقبولة.

والسيَد يريدنا أن نذكرَ صلاحَه ونخبرَ بقوّته. إنّ الذي يكرمه هو تعبيرُنا عن حمدنا وشكرنا. فهو يقول: (( ذابح الحمد يمجّدني )) (مزمور 23:50). إنّ جموع شعب إسرائيل وهم يسافرون عبر البرية حمدوا يهوه بالأغاني المقدسة. وقد نُظِّمت ألحانُُ لوصايا يهوه ومواعيده، وعلى طول الطريق في رحلاتهم رنم هؤلاء السيّاح بتلك الألحان. وفي كنعان عندما كانوا يجتمعون في أعيادهم المقدسة كان عليهم أن يعدّدوا عجائب يهوه، ويقدموا الشكر والحمد لاسمه. وقد رغب يهوه في أن تكون كل حياة شعبه حياة الحمد والتسبيح. وهكذا كان يجب أن (( يُعرف في الأرض )) طريقه (( وفي كل الأمم )) خلاصه. (مزمور 2:67).

وهذا ما يجب أن يكون الآن. فأهل العالم يتعبّدون للآلهة الكاذبة. فيجب تحويلهم عن عبادتهم الكاذبة، ليس بواسطة التشهير بأوثانهم بل بتوجيه أنظارهم إلى شيء أفضل. ليُعلنَ جودُ يهوه: (( أنتم شهودي يقول يهوه وأنا الإله )) (إشعياء 12:43).

والسيَد يريدنا أن نقدر تدبير الخلاص العظيم، وأن نستوعب امتيازَنا السامي كأولاد يهوه وأن نسلكَ أمامَه في طاعة بحمد وشكر. وهو يريدنا أن نخدمه في جدة الحياة بفرح في كل يوم. وهو يتوق لأن يرى الشكر يفيض من قلوبنا لأنّ أسماءَنا قد كُتبت في سفر حياة الخروف، ولأنه يمكننا أن نلقي كل همومنا على ذاك الذي يعتني بنا. إنّه يأمرنا بأن نفرحَ لأننا ميراث السيَد، ولأنّ برّ المسيا هو رداء قدّيسيه الأبيض، ولأن لنا الرجاء المبارك، رجاءُ مجيء مخلصنا سريعا.

إنّ تسبيح يهوه في ملء وإخلاص القلب هو واجب كالصلاة. فعلينا أن نُظهر للعالم ولكل الكائنات السماوية على أننا نقدر محبة يهوه العجيبة للبشرية الساقطة، وعلى أننا ننتظر بركات أعظم وأعظم من ملئه غير المحدود. وعلينا أن نتحدث عن المراحل الثمينة في اختبارنا أكثر مما اعتدنا أن نفعل. فبعدما ينسكب علينا الروح القدس انسكابا خاصا فإنّ فرحَنا في السيَد وكفاءَتنا في خدمته تزداد زيادة عظيمة متى أحصينا مظاهر جوده وأعماله العجيبة في صالح أولاده.

هذه الشهادات تصدُ قوة الشيطان. وهي تطرد روح التذمّر والشكوى والطبع الحاد لا يستطيع الثبات. وهي تغرس تلك السجايا الخلقية التي تؤهّل ساكني الأرض للمواطن السماوية.

مثلُ هذه الشهادة سيكون لها تأثيرُُ على الآخرين. ولا توجد وسائل أخرى أفعلَ منها يمكن استخدامُها في ربح النفوس للمسيا.

وعلينا أن نسبّحَ يهوه بخدمة ملموسة ظاهرة بأن نفعل كلَّ ما في مقدورنا لنقدّم مجدَ اسمه. فيهوه يمنحنا هباته لكي نوزعها نحن أيضا وهكذا نذيع صفاتِه في العالم. ففي النظام اليهودي كانت العطايا والتقدمات تكوّن جزءا جوهريا من عبادة يهوه. فقد تعلّم بنو إسرائيل أن يكرّسوا عشر إيرادهم كله لخدمة المقدس. وفضلا عن هذا فقد كان عليهم أن يقدموا ذبائح خطية وعطايا اختيارية وتقدمات شكر. كانت هذه هي الوسائل المعينة لإعالة خدمة الإنجيل في ذلك الحين. ويهوه لا ينتظر منّا أقل مما كان ينتظر من شعبه في القديم. فالعمل العظيم لأجل خلاص النفوس ينبغي أن يسير قُدما. ففي العشور مع العطايا والتقدمات أعدّ السيَد موردا لأجل هذا العمل. بهذه الكيفية هو يقصد أن تُعال خدمة الإنجيل. وهو يطالب بالعشور على أنّها له فينبغي اعتبارها دائما على أنّها ذخيرة مقدسة توضع في الخزانة لأجل خير عمله. ثم هو يطلب منا أيضا عطايانا الطوعية وتقدمات الشكر. فينبغي تكريس هذه كلها لأجل إرسال الإنجيل إلى أقصى الأرض.

ثم إنّ الخدمة ليهوه تتضمن أيضا الخدمة الشخصية. بواسطة المجهود الفردي علينا أن نتعاون معه لأجل خلاص العالم. إنّ مأمورية المسيا التي قال فيها: (( اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها )) موجهة إلى كل واحد من أتباعه (مرقس 15:16). فجميع المكرسين لحياة المسيا هم معينون ليخدموا لأجل خلاص بني جنسهم. وقلوبهم ستختلج بانسجام مع قلب المسيا. وسيظهر فيهم نفسُ الشوق لخلاص النفوس الذي كان هو يحسّ به. لا يمكن للجميع أن يملأوا نفسَ المكان في العمل، لكن يوجد مكان وعمل للجميع.

في العصور السالفة نجد أنّ إبراهيم واسحق ويعقوب، وموسى بوداعته وحكمته، ويشوع بإمكانياته المتعددة، كلهم جُنّدوا في خدمة يهوه. وكانت الحاجة إلى الموسيقى التي قدمتها مريم وإلى شجاعة دبّورة وتقواها، وإلى محبة راعوث كابنة، وإلى طاعة صموئيل وأمانته، وإلى ولاء ايليا الصارم، وإلى تأثير أليشع المهدّيء المخضع. وهكذا الآن كل من قد أغدق يهوه عليهم بركاته عليهم أن يستجيبوا بالخدمة الفعلية، فينبغي استخدام كل هبة لأجل تقدّم ملكوته ومجد اسمه.

وعلى كل من يقبلون المسيا كمخلصهم الشخصي أن يقيموا الدليل على صدق الإنجيل وقوّته المخلّصة للحياة. إنّ يهوه لا يطلب شيئا بدون أن يدبّر ما يلزم لإتمامه. فبنعمة المسيا يمكننا أن ننجز كل ما يطلبه منا. فكل غنى السماء وكنوزها ستُعلنُ بواسطة شعب يهوه. فقد قال المسيا: (( بهذا يتمجّد أبي أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي )) (يوحنا 8:15).

إنّ يهوه يطالب بالأرض كلّها ككرمه. فمع أنّها الآن في أيدي الغاصب فهي ملك ليهوه. فهي له بحقّ الفداء كما أنّها له بحقّ الخلق. لقد قدم المسيا نفسه ذبيحة لأجل العالم: (( هكذا أحب يهوه العالم حتى بذل أبنه الوحيد )) (يوحنا 16:3). فبواسطة تلك الهبة الواحدة تُمنح كل هبة أخرى للناس. وفي كل يوم يتناول العالم كله البركة من يهوه. فكل قطرة من قطرات المطر، وكل شعاعة من أشعة النور المنسكبة على جنسنا غير الشكور، وكل ورقة وزهرة وثمرة تشهد لطول أناة يهوه وحبه العظيم.

وما هي التعويضات التي تقدَّم للمعطي العظيم ؟ وكيف يتعامل الناس حيال مطاليب يهوه ؟ ولمن يقدم جموع بني الإنسان خدمات حياتهم ؟ إنّهم يخدمون المال. فالثروة والمركز والمسرات هي هدفهم في الحياة. فالثروة يحصلون عليها بالسلبِ، لا سلبِ الإنسان وحدَه بل سلبِ يهوه أيضا. فالناس يستخدمون هباتِه في إشباع أنانيتهم. وكل ما يمكنهم أن يستحوذوا عليه يستخدمونه في خدمة طمعهم وحبهم للملذات الأنانية.

إنّ خطية العالم اليوم هي الخطية التي جلبت على إسرائيل الهلاك. فنكران فضل يهوه وإهمال الفرص والبركات، والأنانية البادية في تخصيص هباتِ يهوه لذواتهم.

هذه كانت متضمنة في الخطية التي جلبت الغضب على إسرائيل. وهي لا تزال تجلب الدمار على العالم اليوم.

إنّ الدموع التي سكبها المسيا على جبل الزيتون عندما وقف يشرف علي المدينة المختارة لم تكن لأجل أورشليم وحدها. فلقد شاهد في مصير أورشليم هلاك العالم (( لو علمت أنت أيضا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك! ولكن الآن قد أُخفِيَ عن عينيك )) (لوقا 42:19).

في يومك هذا (( إنّ اليوم موشك على الانتهاء. وفرصة الرحمة والامتياز قاربت أن تنتهي. وها هي سحب النقمة تتجمع.  ورافضو نعمة يهوه موشكون على أن يطويهم الهلاك السريع الذي لا يجبر. ومع ذلك فالعالم نائم. فالناس لا يعرفون زمان افتقادهم )).

وفي هذه الأزمة أين توجد الكنيسة ؟ هل أعضاؤها يتممون مطاليب يهوه؟ وهل يقومون بنشر رسالته وتمثيل صفاته للعالم؟ وهل يوجهون بلجاجة انتباه بني جنسهم إلى رسالة الإنذار الرحيمة الأخيرة؟

إنّ الناس في خطر. فجماهيرُ كثيرة تهلك. ولكن ما أقل الذين يعترفون بأنّهم أتباع المسيا الذين هم مثقّلون بالمسؤولية نحو هذه النفوس! إنّ مصير العالم يتأرجح بين كفتي الميزان، ولكن هذا لا يكاد يحرّك حتى من يدّعون بأنّهم يؤمنون بأعظم حق بعيد المدى قد أُعطِيَ لبني الإنسان. فلا توجد تلك المحبة التي جعلت المسيا يترك وطنه السماوي ويتخذ طبيعة الإنسان حتى يلامس ببشريّته بني الإنسان ويجتذب البشرية إلى الألوهية. يوجد ذهول وشلل أصابا شعب يهوه يمنعانهم من إدراك واجب الساعة.

عندما دخل بنو إسرائيل كنعان لم يتمّموا غرض يهوه بامتلاك الأرض كلها. فبعدما حازوا انتصاراتٍ جزئيةً استكانوا ليتمتعوا بثمرة انتصاراتِهم – ففي عدم إيمانهم وحبهم للراحة اجتمعوا في أماكن سبق لهم أن افتتحوها بدلا من الاندفاع إلى الأمام لاحتلال أقاليم جديدة. وهكذا ابتدأوا يبتعدون عن يهوه. فبإخفاقهم في تنفيذ قصده جعلوا من المستحيل عليه أن يتمّم لهم وعدَه بالبركة. ألا تعمل كنيسة اليوم نفس هذا العمل؟ إنّ المعترفين بالمسيحية، والعالم كلّه أمامّهم يحتاج إلى الإنجيل، يجتمعون في أماكن يمكنهم فيها أن يمتعوا أنفسهم بامتيازات الإنجيل. إنّهم لا يحسّون بضرورة احتلال أقاليم جديدة وحمل رسالة الخلاص إلى أقاليم بعيدة. إنّهم يرفضون إتمام أمر المسيا القائل: (( اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها )) (مرقس 15:16). فهل هم أقلّ جرما من الكنيسة اليهودية؟

إنّ المعترفين أتباع المسيا يُمتحنون علي ملا من المسكونة السماوية، ولكنّ فتور غيرتهم وضعف جهودهم في خدمة يهوه تدمغهم بوصمة عدم الأمانة. فلو أنّ ما يعملونه هو افضل ما يمكنهم عمله ما كانت الدينونة تستقرّ عليهم. ولكن لو انّهم جنّدوا قلوبهم للعمل لكانوا يعملون اكثر من ذلك بكثير. إنّهم يعلمون كما يعلم العالم أنّهم قد أضاعوا روح إنكار الذات وحمل الصليب إلى حد كبير. يوجد كثيرون ممن سيوجد مكتوبا أمام أسمائهم في أسفار السماء: ليسوا منتجين بل مستهلكين. إنّ كثيرين ممن يحملون إسم المسيا يحجبون مجدَه ويُخفون جمالَه ويحجزون كرامتَه.

ويوجد كثيرون ممّن أسماؤهم مكتوبة في سجلات الكنيسة ولكنهم ليسوا تحت سلطان المسيا. إنّهم لا يكترثون لوصاياه ولا يعملون عمله. ولذلك هم تحت سيطرة العدّو. إنّهم لا يقومون بأي عمل إيجابي، لذلك فهم يحدثون ضرراً لا يُحصر. فلكون تأثيرهم ليس رائحة حياة لحياة فهو إذن رائحة موت لموت.

يقول السيَد: (( أما أعاقب على هذا )) (أرميا 9:5). فلكون بني إسرائيل أخفقوا في إتمام قصد يهوه فقد أُلقِيَ بهم جانباً وامتدت دعوة يهوه إلى شعوب أخرى. فإذا برهن هؤلاء على عدم أمانتهم أفلا يُرفَضون كذلك؟

في مثل الكرم حكم المسيا علي الكرامين بأنّهم مذنبون. فهم الذين رفضوا أن يردُوا لسيدهم من ثمر الكرم الذي هو ملكه. وبالنسبة إلى الأمة اليهودية نجد أن الكهنة والمعلّمين هم الذين بسبب تضليلهم للشعب سلبوا يهوه الخدمة التي طالبهم بها. فهم الذين أبعدوا الأمّة عن المسيا.

لقد قدم المسيا شريعة يهوه غير ممتزجة بالتقاليد البشرية كالمقياس العظيم للطاعة. هذا أثار عداوة الأحبار. لقد رفعوا تعاليم الناس فوق كلمة يهوه وحولوا الشعب بعيداً عن وصايا الناس ليطيعوا مطاليب  كلمة يهوه. ورفضوا التضحية بكبرياء التفكير ومديح الناس لاجل الحق. وعندما جاء المسيا مقدماً مطاليب يهوه للامة أنكر عليه الكهنة والشيوخ حقّه في التدخل بينهم وبين الشعب. ورفضوا توبيخاته وإنذاراته وعوَلوا على إثارة الشعب ضدّه لكي يقتلوه.

لقد كانوا مسؤولين عن رفض المسيا والنتائج التي تلت ذلك. فخطية الأمة وهلاكها نُسِبا إلي الرؤساء الدينين.

وفي يومنا هذا ألا نري أنّ التأثيراتِ دائبةُُ على العمل ؟ ألا يوجد كثيرون من الكرامين في كرم السيَد سائرين في نفس خطوات رؤساء اليهود؟ ألا يحوّل المعلّمون الدينيون الناسَ بعيداً عن مطاليب كلمة يهوه الصريحة؟ وبدلا من أن يعلّموهم الطاعة لشريعة يهوه ألا يعلّمونهم العصيان؟ فالناس يتعلّمون من فوق كثير من منابر الكنائس أنّ شريعة يهوه ليست ملزمةً لهم. فتقاليدُ الناس وفرائضُهم وعاداتُهم تتمجّد. والكبرياء والرضا بالنفس بسبب هباتِ يهوه تترعرعُ بينما يتجاهل الناسُ مطاليبَ يهوه.

والناس إذ يطرحون شريعة يهوه جانبا لا يدرون ما هم فاعلون. إنّ شريعة يهوه هي صورةُُ حيّةُُ من صفاتِه. وهي تشمل مبــاديء ملكوته. فالذي يرفض قبول هذه المباديء إنّما يُبعد نفسَه عن نطاق مجرى بركاتِه.

إنّ الإمكانيات المجيدة التي وُضِعت أمام إسرائيل كان يمكن تحقيقها بواسطة الطاعة لوصايا يهوه فقط. ونفس السموّ في الخلُق، ونفس ملءِ البركة – البركة للعقل والنفس والجسد، البركة في البيت وفي الحقل، والبركة في هذه الحياة والحياة العتيدة – ممكنةُُ لنا عن طريق الطاعةِ وحدَها.

وفي العالم الروحي كما في العالم الطبيعي نجد أنّ الطاعة لنواميس يهوه هي شرطُ الإتيانِ بثمر. فعندما يعلّم الناس الشعب أن يحتقروا وصايا يهوه فإنهم يمنعونهم من الإتيان بثمرٍ لمجده. إنّهم مذنبون في حرمان السيَد من ثمار كرمه.

إنّ رسل يهوه يأتون إلينا بناء على أمر المسيا. إنّهم يقدّمون حقّه بالثمار ثمار الكرم، ثمار المحبة والوداعة والخدمة المضحية. ولكن ألاّ يهتاج كثيرون من الكرامين في الكرم ويغضبون كما فعل رؤساء اليهود؟ وعندما يوضع حق شريعة يهوه أمام الشعب ألا يستخدم هؤلاء المعلّمون نفوذهم لتحريض الناس علي رفضه؟ مثل هؤلاء المعلّمين يدعوهم يهوه خُداما غيرَ أمناء.

إنّ كلام يهوه لإسرائيل قديما فيه إنذار خطير للكنيسة وقادتها اليوم. فالسيَد يقول عن إسرائيل: (( اكتب له كثرة شرائعي فهي تحسب أجنبيه )) (هوشع 12:8). وقد أعلن للكهنة والمعلمين قائلاً: (( قد هلك شعبي من عدم المعرفة. لأنّك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا ... ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا أيضا بنيك )) (هوشع 6:4).

فهل نسمحُ لإنذارات يهوه أن تمرّ بنا دون أن نكترث لها؟ ألا نحسن استخدام فرص الخدمة؟ وهل احتقار العالم وكبرياء الفكر والتشبّه بالناس في عاداتهم وتقاليدهم تمسّك من يعترفون بأنّهم تلاميذ المسيا عن خدمته؟ وهل يرفضون كلمة يهوه كما قد رفض رؤساء اليهود المسيا؟ إنّ عاقبة خطية إسرائيل هي أمامَنا؟ فهل تقبل كنيسة اليوم الإنذار؟

 (( فإن كان قطع بعض الأغصان وأنت زيتونة برية طعمت فيها فصرت شريكا في اصل الزيتونة ودسمها. فلا تفتخر... من أجل عدم الإيمان ثبت. لا تستكبر بل خف. لانه أن كان يهوه لم يشفق على الأغصان الطبيعية فلعله لا يشفق عليك أيضا )) (رومية 17:11-21 ).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
11
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
16
Calendar App