4. إنسـَان ليسَ عَليهِ لبَاس العُرس
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ مثل لباس العرس يكشف لنا درسـاً له اعظـم النتائج. فالـزواج يرمز إلى الاتحاد بين الناسوت واللاهوت، ولباس العرس رمز إلى الخّلُق الذي يجب أن يتحلّى به كل من يحسبون ضيوفا للعرس.

في هذا المثـل كما في مثل العشـاء تُوضّح دعوةُ الإنجيل. ورفضُ الشـعب اليهودي لها، ودعوة الرحمة للأمم. أمّا من جانب من يرفضون الدعوة فان هذا المثل يعرض للأنظار إهانة اعظم وقصاصا أرهب. إنّ الدعوة إلى العرس هي دعوة ملك. فهي مرسلة من قبل من هو مزود بسلطان لان يأمر. وهي تمنح كرامة عظيمة. ومع ذلك فليس من يقدّر هذه الكرامة. فالناس يزدرون بسلطان الملك. ففي حين أنّ دعوة سيَد البيت قوبلت بعدم اكتراث فان دعوة الملك قوبلت بالإهانة والقتل. فلقد عاملوا عبيده بالاحتقار إذ شتموهم وقتلوهم.

إنّ سيَد البيت إذ رأي دعوته وقد استُخْفّ بها أعلن أنّه ولا واحد من أولئك الرجال المدعوين يذوق عشاءه. أمّا الذين احتقروا الملك فقد أمر الملك لهم بقصاص أعظم من الطرد من حضرته والحرمان من طعام مائدته: (( أرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم )) (متي 7:22).

في كلا المثلين أُعِدَّ ضيوفُُ للوليمة، ولكن المثل الثاني يرينا أنّ هنالك استعدادا يجب أن يقوم به كلّ من يحضرون إلى العرس. فالذين يهملون هذا الاستعداد يُطرحون خارجا: (( فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأي هناك إنسانا لم يكن لابسا لباس العرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس. فسكت. حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان )) (متى 11:22 – 13).

إن الدعوة إلي الوليمة كان قد قدمها تلاميذ المسيا. لقد أرسل سيدنا الاثنى عشر وبعد ذلك أرسل السبعين معلنين أنّ ملكوت يهوه قد اقترب ومنادين الناس أن يتوبوا ويؤمنوا بالإنجيل. ولكن لم يكن من يكترث للدعوة. فالذين دُعوا إلي الوليمـة لم يأتـوا. وبعد ذلك أرسل العبيد ليقولوا: (( هوذا غذائي أعددته. ثيراني ومسمناتي قد ذبحت وكل شيء معدّ. تعالوا إلى العرس )) (متى 4:22). كانت هذه هي الرسالة المقدمة إلى الأمة اليهودية بعد صلب المسيا، ولكنّ الأمة التي ادّعت أنّها شعب يهوه الخاص رفضت الإنجيل المرسل إليها بقوة الروح القدس. وكثيرون اغتاظوا جدا بسبب عطية الخلاص، وعطية غفران الخطايا، فعلوا هذا بكيفية تدل على منتهى الاحتقار. وآخرون اغتاظوا جداً ورفضوا سيَد المجد بحيث انقلبوا على حاملي الرسالة. فكان (( اضطهاد عظيم )) (أعمال 1:8). وكثيرون من الرجال والنساء أُلقِيَ بهم في السجن وبعض من رسل السيَد كاستفانوس ويعقوب قتلوا.

وهكذا ختم الشعب اليهودي على رفضه لرحمة يهوه. كان المسيا قد سبق فأنبأ بالنتيجة حين قال أن الملك: (( أرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم )) (متى 7:22). فالدينونة التي نطق بها حلت باليهود في خراب أورشليم وتشتيت الأمة.

أما الدعوة الثالثة إلي الوليمة فترمز إلي تقديم الإنجيل إلى الأمم. فقد قال الملك (( أما العرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين، فاذهبوا إلي مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس )) (متى 8:22،9). أما عبيد الملك الذين خرجوا إلى الطرق فقد (( جمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين )) (متى 10:22). كانوا جماعة مختلطة. فبعض منهم لم يكن عندهم اعتبار حقيقي لصاحب الوليمة اكثر ممن قد رفضوا الدعوة. فالفريق الذين دعوا أولاً ظنوا بأنهم لا يستطيعون التضحية بأية منفعة عالمية ليحضروا إلي وليمة الملك، أمّا الذين قبلوا الدعوة فقد كان بينهم قوم لم يفكـروا في غير منفعـة أنفسهم. فقد جاءوا ليقتسموا طعام الوليمة ولكنهم لم يكونوا يرغبون في إكرام الملك.

وعندما دخل الملك لينظر الضيوف انكشف أمامه أخلاق الجميع علي حقيقتها. وقد أُعِدّ لكل ضيف حضر إلى الوليمة ثوبُُ هو لباس العرس. وكان هذا الثوب هبةً من الملك. فإذ لبسه الضيوف برهنوا علي احترامهم لصاحب الوليمة. ولكن كان يوجد إنسانُُ يرتدي ثوبَه العادي. وقد رفض أن يقوم بالاستعداد الذي طلبه الملك فالثوب المعد له بثمن غال استنكف هو أن يلبسَه. وهكذا أهان مولاه. فعندما سأله الملك قائلاً : (( كيف دخلت إلي هنا وليس عليك لباس العرس )) (متى 12:22)، لم يستطع أن يجيب بشيء. لقد حكم على نفسه. حينئذ قال الملك : (( اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية )) (متى 13:22).

إنّ فحص الملك للضيوف الذين كانوا علي المائدة يرمز إلي عمل من أعمال الدينونة. إنّ ضيوف وليمة الإنجيل هم الذين يعترفون بأنهم يخدمون يهوه، والذين أسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة. ولكن ليس كلّ من يعترفون بأنـّهم مسيحيون هم تلاميذ أمناء. فقبل تقديم الجزاء الأخير ينبغي الحكم في من هم المؤهلون لشركة ميراث الأبرار. وهذا الحكم ينبغي أن يسبق المجيء الثاني للمسيا في سحاب السماء ، لأنه عندما يأتي ستكون أجرته معه: (( لأجازي كل واحد كما يكون عمله )) (رؤيا 12:22). إذا فقبل مجيئه ستكون قد تقرّرت طبيعة عمل كل واحد، وكل واحد من تلاميذ المسيا سيُخصّص له الجزاء بحسب أعماله.

ففيما لا يزال الناس ساكنين علي الأرض يأخذُ عمل الدينونة التحقيقية مجراه في ديار السماء. ويهوه سيراجع حياة كل من يعترفون بأنّهم تلاميذه. وسيمتحن الجميع بموجب سجل أسفار السماء، وسيتقرّر المصير الأبدي لكل واحدٍ بحسب أعماله.

إنّ لباس العرس المذكور في المثل يرمز إلي الخلُق النقي غير الملوث الذي يملكه تلاميذ المسيا الحقيقيون. ولقد أُعطِيَ للكنيسة أن (( تلبسَ بزاً نقياً بهيا )). (( لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك )) (رؤيا 8:19؛ افسس 27:5). إنّ الكتاب يقول عن البرّ النقي أنّه (( تبرّرات القديسين )). انّه برّ المسيا وصفاته التي بلا لوم التي تعطي لكل من يقبلونه بإيمان كمخلصهم الشخصي.

كان أبوانا الأولان يلبسان ثوب الطهارة الأبيض حين وضعهما يهوه في عدن المقدسة. لقد عاشا في حالة توافق تام مع إرادة يهوه. فكل قوة عواطفهما كانت معطاة لأبيهما السماوي. وقد اكتنف ذينك الزوجين المقدسين نورُُ جميلُُ ولطيفُُ هو نورُ يهوه. وكان ثوب النور هذا رمزا لثيابهما الروحية ثياب الطهارة السماوية. فلو ظلاّ على أمانتهما ليهوه لظل ذلك الثوب يكسوهما إلى الأبد. ولكن لمّا دخلت الخطية قطعا صلتَهما بيهوه واختفى النور الذي كان قبلا يحيط بهما. فإذ كانا عاريين خجلا وحاولا الاستعاضة عن الثياب السماوية بأن خاطا أوراق تين ليصنعا لأنفسهما مآزر.

هذا ما فعله من عصوا شريعة يهوه منذ عصر آدم وحواء لقد خاطوا أوراق تين لتغطية عريهم الذي كان سببه العصيان. لقد لبسوا ثيابا من ابتكارهم فبأعمالهم حاولوا ستر خطاياهم والظفر بقبول يهوه.

ولكن هذا عمل لا يستطيعونه أبدا. ولا يمكن للإنسان أن يبتكر شيئا يأخذ مكان ثوبِ الطهارة الذي قد أضاعه. فلا يمكن لثوب مصنوع من أوراق التين، أو ثوبٍ عالمي أن يلبسه من يجلسون مع المسيا وملائكته في عشاء عرس الحمل.

ولا يمكن لغير الكساء الذي قد أعدّه المسيا بنفسه أن يجعلنا أهلا للمثول في حضرة يهوه. هذا الكساء الذي هو ثوب برّ المسيا سيستر به كلّ نفسٍ تائبة مؤمنة. إنّه يقول : (( أشير عليك أن تشتري مني ... ثيابا بيضا لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك )) (رؤيا 18:3 ).

هذا الثوب المنسوج في نول السماء لا يوجد فيه خيط واحد من صنع الناس. فالمسيا في بشرّيته صاغ خلُقا كاملا وهذا الخلُق هو مستعد لأن يمنّه لنا (( كثوب عدة كل أعمال برنا )) (إشعياء 6:64). فكل ما يمكننا أن نعمله من أنفسنا هو منجّس بالخطية. ولكنّ ابن يهوه قد (( أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية  )) وتعريف الخطية هي (( التعدي )) (1يوحنا5:3و4) ولكن المسيا كان مطيعاً لكل مطاليب الناموس. فقد قال عن نفسه: (( أن أفعل مشيئَتك يا إلهي سررت. وشريعَتك في وسط أحشائيِ )) (مزمور 8:40). وعندما كان على الأرض قال لتلاميذه: (( أنا قد حفظت وصايا أبي )) (يوحنا 10:15). فبطاعته الكاملة جعل في إمكان كل إنسان أن يطيع وصايا يهوه. فعندما نُخضِع ذواتِنا للمسيا فالقلب يتّحد بقلبه والإرادة تندمج في إرادته والفكر يصبح واحدا مع فكره والتأملات يستأسرها لنفسه، فنحيا حياتَه. هذا هو معنى كوننا نلبس ثوب برّه. فحينئذ إذ ينظر السيَد إلينا فهو لا يرى ثوبا من أوراق التين، لا عري الخطية وتشويهاتها بل يرى ثوبَ برّه هو الذي هو الطاعة الكاملة لشريعة يهوه.

وقد فحص الملك ضيوف العرس. فالذين أطاعوا أوامره ولبسوا ثوب العرس هم وحدهم الذين قبلوا وهكذا ستكون الحال مع ضيوف وليمة الإنجيل. فلا بدّ من أنّ الجميع يمرّون أمام نظرة الملك العظيم الفاحصة، فالذين قد لبسوا ثوب برّ المسيا هم وحدهم الذين يرحّب بهم.

البرّ هو عمل الصواب والحق. فبموجب هذه الأعمال يُدان الجميع. إنّ صفاتِنا تكشف عنها أعمالنا. فالأعمال هي التي تبرهن عما إذا كان الإيمان حقيقياً.

لا يكفي كوننا نؤمن بأن يهوشوه لم يكن محتالا وان ديانة الكتاب ليست خرافاتِ مصنّعة. فقد تؤمن بأن اسمَ يهوشوه هو الاسمُ الوحيد تحت السماء الذي به ينبغي أن نخلُص, ومع ذلك فقد لا نجعله مخلصنا الشخصي بالإيمان. فلا يكفي كوننا نؤمن بنظرية الحق، ولا يكفي كوننا نعترف بإيماننا بالمسيا وأن تُسجل أسماؤنا في سجلات الكنيسة: (( من يحفظ وصاياه يثبت فيه وهو فيه. وبهذا نعرف انه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا )). (( بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه )) (1يوحنا 24:3؛ 3:2)  هذا هو البرهان الحقيقي علي التجديد. فمهما يكن اعترافنا فهو لا يساوي شيئاً ما لم يظهر المسيا في أعمال البر.

والحق ينبغي أن يُغرس في القلب. ويجب أن يسيطر على العقل وينظم العواطف. والخلق كله يجب أن يُطبع بالأقوال الإلهية. وينبغي أن كل حرف وكل نقطة من كلمة يهوه تتدخل في الأعمال اليومية.

إنّ من يصير شريكا في الطبيعة الإلهية لابد أن يكون في وفاق مع مقياس يهوه العظيم للبرّ، أي شريعته المقدسة. هذا هو القياس الذي عليه يقيس يهوه أعمال الناس. وهذا سيكون محكَّ الخلق في يوم الدين.

كثيرون يدّعــون أنّه بموت المسيا أُلغِيَ الناموس، ولكنهم بهذا يناقضـون نفس كلام المسيا إذ قال: (( لا تظنـــوا أنّي جئت لأنقض الناموس والأنبياء ... إلي أن تزول السماء والأرض لا يزول حرفُُ واحدُُ أو نقطة واحدة من الناموس )) (متى 17:5و18 ). إنّ المسيا قد بذل حياته لكي يكفّر عن تعدّي الإنسان علي الناموس. فلو أمكن تغيير الناموس أو طرحه جانبا لما كانت بالمسيا حاجة لأن يموت. فبحياته على الأرض أكرم شريعة يهوه وبموته ثبّته. ولقد بذل نفسه ذبيحة لا لينقض شريعة يهوه ولا ليخلق مقياسا أدني، بل لكي يحفظ العدل ولكي يتبرهن ثبات الشريعة ولكي تظلّ وطيدة إلي الدهر.

لقد ادّعى الشيطان انّه يستحيل على الإنسان أن يحفظ وصايا يهوه، الحقيقة هي أننا لا يمكننا إطاعتها بقوتنا الذاتية. ولكن المسيا جاء في صورة إنسان وبطاعته الكاملة برهن على أنّه إذا اتحدت البشرية بالألوهية يمكن إطاعة كل وصايا يهوه.

(( أمّا كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد يهوه أي المؤمنون باسمه )) (يوحنا 12:1). فهذا السلطان ليس في الإنسان بل هو سلطان يهوه. فمتى قبل أي إنسان المسيا فهو يقبل القوة ليحيا في المسيا.

إنّ يهوه يطلب من أولاده أن يكونوا كاملين. فشريعته هي صورةُُ طبق الأصل لصفاته وهي مقياس كل خلُق. فهذا المقياس اللامحدود مقدّمُُ للجميع لكيلا يكون هناك أيّ خطأ فيما يختص بنوع الناس الذين يقبلهم يهوه لكي يكوّنوا ملكوته. فقد كانت حياة المسيا على الأرض تعبيرا كاملا لشريعة يهوه. وعندما يصير من يدّعون انّهم أولاد يهوه كالمسيا في صفاتهم فسيكونون مطيعين لوصايا يهوه. وحينئذ يمكن للسيَد أن يثق بهم ليكونوا ضمن من سيكوّنون أسرة السماء. فإذ يتسربلون بثوب بر المسيا المجيد يكون لهم مكان في وليمة الملك. ولهم حق الانضمام إلى جموع المغتسلين بالدم.

إن الإنسان الذي دخل إلى الوليمة ولم يكن عليه لباس العرس يصوّر حالة كثيرين في عالمنا اليوم. فهم يدّعون انّهم مسيحيون ويطالبون بحقهم في بركات الإنجيل وامتيازاتِه ومع هذا فهم لا يحسّون بالحاجة إلي تغيير أخلاقهم. إنّهم لم يحسّوا قط بتوبة حقيقية عن الخطية. وهم لا يدركون حاجتَهم إلى المسيا أو ممارسة الإيمان به. ولم ينتصروا على ميلهم الموروث أو المغروس فيهم لفعل الشرّ. ومع ذلك فهم يظنون انّهم في أنفسهم صالحون صلاحا كافيا ويستندون على استحقاقاتِهم بدلا من الاتكال على المسيا والثقة به. فكمن يسمعون الكلمة يحضرون الوليمة وليس عليهم لباس العرس أي ثوب برّ المسيا.

كثيرون ممن يدعون أنفسهم مسيحيين هم مجرد رجال أخلاق وآداب عالمية. لقد رفضوا الهبة التي هي وحدها تمكنهم من إكرام المسيا بتمثيله للعالم. إنّ عمل الروح القدس عمل غريب بالنسبة إليهم. إنّهم ليسوا عاملين بالكلمة. فالمباديء السماوية التي تميز من هم متحدون بالمسيا عمن هم متحدون بالعالم يكاد يمسي من الصعب تمييزها. فالمعترفون بأنهم تلاميذ المسيا ما عادوا شعبا منفصلا خاصا. فالحد الفاصل غير واضح المعالم. فالشعب نفسه يتبع العالم، في تصرفاته وعاداته وأنانيته والكنيسة تعبر إلي العالم في عصيانها للشريعة، في حين كان يجب أن يعبر العالم إلى الكنيسة في إطاعة الشريعة. وفي كل يوم ترجع الكنيسة إلى العالم.

كل هؤلاء ينتظرون أن يخلصوا بموت المسيا بينما هم يرفضون أن يحيوا حياتَه حياةَ التضحية. إنّهم يمجدون غنى النعمة المجانية ويحاولون أن يستروا أنفسهم بمظهر البر آملين أن يخفوا النقائص في خلقهم، ولكن جهودهم لن تجديهم نفعا في يوم يهوه.

إنّ بر المسيا لن يخفي خطية واحدة محبوبة. قد يكون إنسان كاسرا للشريعة في قلبه، ومع ذلك فإذا لم يرتكب عملا واحدا من أعمال العصيان العلني قد يعتبره العالم حائزا على نصيب كبير من الاستقامة والنزاهة. ولكن شريعة يهوه تفحص أعماق القلب وسرائره. فكل عمل يحكم عليه بالبواعث التي تدفع الإنسان لعمله. فقط ما يتفق مع مباديء شريعة يهوه هو الذي يثبت في يوم الدين.

يهوه محبة. وقد برهن على محبته في عطية المسيا. عندما (( بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ))لم يمنع شيئاً عن خاصته التي اقتناها (يوحنا 16:3). لقد وهب كل السماء التي منها يمكننا أن نستمد القوة والمقدرة حتى لا يصدنا خصمنا العظيم أو يغلبنا. ولكن محبة يهوه لا تجعله يتسامح مع الخطية. إنّه لم يتسامح مع الشيطان عندما اخطأ. وكذلك الخطية. ولن يتسامح معها في حياة أي واحد من بني الإنسان. ولن يتغاضى عن خطايانا أو يغتفر لنا مواطن النقص في أخلاقنا. فهو ينتظر منا أن ننتصر باسمه.

والذين يرفضون هبة برّ المسيا إنما يرفضون سجايا الخلق التي تؤهلهم لأن يكونوا أبناء يهوه وبناته. إنّهم يرفضون الشيء الوحيد الذي يستطيع دون سواه أن يعطيهم الصلاحية للحصول على مكان في وليمة العرس.

نجد في المثل أنّ الرجل عندما سأله الملك قائلا: ((  كيف دخلت إلى هنا وليس عليك  لباس العرس؟ )) سكت. وكذلك سيكون الحال في يوم الدينونة العظيم. قد يتسامح الناس مع النقض البادي في أخلاقهم أمّا في ذلك اليوم فلن يقدّموا عذرا.

أن الكنائس المعترفة بالمسيا في هذا العصر قد سمت إلى أعلى حدود الامتيازات. فقد أعلن السيَد لنا بنور متزايد على الدوام. وامتيازاتنا هي أعظم بكثير من امتيازات شعب يهوه قديما. فإننا فضلا عن كوننا نملك النور العظيم المُسلّم لإسرائيل فإنّ لنا زيادة على ذلك البرهان المتزايد للخلاص العظيم المُعطى لنا بواسطة المسيا. فما كان لليهود صورا ورموزا صار حقيقة لنا. كانت عندهم شهادة العهد القديم وتاريخه أمّا نحن فلنا العهد الجديد أيضا. وعندنا يقين المخلص الذي قد أتى والذي صلب وقام والذي من فوق قبر يوسف المفتوح أعلن قائلا: (( أنا هو القيامة والحياة )) (يوحنا 25:11). إنّ المسيا معلن لنا في العظات ونسمع اسمه يتردد في التسابيح. وها هي الوليمة الروحية مرتبة أمامنا بوفرة وغنى. وثوب العرس الذي أُعدّ لنا بثمن لا يمكن تقديره يُقدّم مجانا لكل نفس. وهاهم رسل يهوه يقدّمون لنا برّ المسيا، والتبرير بالإيمان والمواعيد العظمى والثمينة في كلمة يهوه، والقدوم بسعة إلي الآب بالمسيا وتعزية الروح، واليقين الراسخ بالحياة الأبدية في ملكوت يهوه. فما الذي كان يهوه يستطيع أن يعمله لأجلنا ولم يعمله في إعداد العشاء العظيم والوليمة السماوية؟

وفي السماء يقول الملائكة الخادمون: لقد قمنا بالخدمة التي كُلفنا بها. فقد صددنا جيش الملائكة الأشرار. وقد أدخلنا الصفاء والنور إلى نفوس الناس، إذ أنعشنا عقولهم بمحبة يهوه في يهوشوه المسيا. وقد تأثرت قلوبهم تأثراً عميقا بالشعور بالخطية التي صلبت ابن يهوه. وقد تبكتوا. وقد رأوا الخطوات التي تُتخذ في التجديد، وقد أحسّوا بقوة الإنجيل، وصارت قلوبهم رقيقة عندما رأوا عذوبة محبة يهوه. وشاهدوا جمال صفات المسيا. ولكنّ كل هذا كان عبثا بالنسبة لكثيرين. فلم يريدوا التنازل عن عاداتهم وأخلاقهم. لم يريدوا أن يخلعوا ثياب الأرض ليلبسوا حلة السماء. لقد أسلموا قلوبهم للطمع. وقد أحبوا عشرة العالم أكثر مما احبوا إلههم.

وسيكون يوم الحكم النهائي يوما رهيبا. إنّ يوحنا الرسول يصفه في رؤيا نبوية فيقول: (( ثم رأيت عرشا عظيما أبيض والجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لهما موضـع. ورأيت الأموات صغارا وكباراً واقفين أمام يهوه. وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحيــاة ودين الأمـوات مما هو مكتوب في الأسـفار بحسب أعمالهم )) (رؤيا 11:20و12).

وستكون ذكرى الماضي محزنة في ذلك اليوم الذي فيه يواجه الناس الأبدية. وستعرض الحياة بجملتها كما كانت تماما. ولن تبدو مسرات الناس وغناه وكراماته ذات أهمية تذكر. وسيرى الناس حينئذ أنّ البرّ الذي احتقروه هو وحده الذي له قيمته. وسيرون انهم قد صاغوا أخلاقهم تحت تأثير إغراءات الشيطان الخادعة. والثياب التي اختاروها هي وسام ولائهم للمرتدّ الأعظم الأول. وحينئذ سيرون عواقب اختيارهم. وسيعرفون معنى التعدي على وصايا يهوه.

ولن يكون هنالك إمهال في المستقبل فيما هم يستعدون للأبدية. ولكن علينا أن نلبس ثوب برّ المسيا في هذه الحياة. هذه هي فرصتنا الوحيدة لصوغ أخلاقنا للذهاب إلى الوطن الذي قد أعده المسيا لمن يطيعون وصاياه.

إنّ أيام إمهالنا تسرع إلى نهايتها. فالنهاية قريبة. وقد أُعطيَ لنا هذا الإنذار: (( فاحترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة فيصادفكم ذلك اليوم بغتة )) (لوقا 34:21). احترس لئلا يجدك ذلك اليوم غير مستعد. احترس لئلا توجد جالسا في وليمة الملك وليس عليك لباس العرس.

(( في سـاعة لا تظنون يأتي ابن الإنســان )). (( طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشـي عريانا فيروا عورته )) (متى 24 : 44؛ رؤيا 16 : 15)

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
11
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
16
Calendar App