5. الوَزنــَات
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ المسيا إذ كان جالسا على جبل الزيتون تحدث مع تلاميذه عن مجيئه الثاني إلي العالم. وقد ذكر بعض الحوادث التي تدل على قرب مجيئه، وكان قد أوصى تلاميذه بأن يسهروا ويستعدوا. ومرة أخرى كرر الإنذار قائلا: (( فاسهروا إذا لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان )) (متى 25 : 13). ومن ثم أبان لهم معنى السهر لمجيئه. فالوقت ينبغي أن لا يصرف في الانتظار الباطل بل في العمل باجتهاد. هذا هو الدرس الذي قدمه المسيا في مثل الوزنات.

فقال لهم ملكوت السموات (( كأنما إنسان مسافر دعا عبيده وسلمهم أمواله. فأعطى واحداً خمس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة. كل واحد على قدر طاقته. وسافر للوقت )) (متى 25 : 14و15).

إنّ الرجل المسافر إلى كورة بعيدة يرمز إلى المسيا الذي حينما نطق بهذا المثل كان مزمعا أن ينطلق من الأرض إلى السماء. و(( عبيده )) أي الأسرى المذكورون في المثل يرمزون إلى أتباع المسيا. إننا لسنا لأنفسنا فقد (( اشتريتم بثمن )) (1كورنثوس 6 : 20) (( لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب... بل بدم كريم... دم المسيا )) (1بطرس 1: 18و19). (( كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام )) (2كورنثوس 5 : 15).

كل الناس قد اشتُروا بهذا الثمن الذي لا يمكن تقديره. إذ سكب يهوه كل ما في خزانة السماء إلي هذا العالم، وإذ منحنا كل السماء في المسيا، فإنّه قد اشترى إرادةَ كل إنسان وعواطفَه وعقلَه ونفسَه. إنّ كلّ الناس، مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين هم خاصة السيد. والجميع يُدعون ليخدموه، ولأجل الكيفية التي بها قابلوا هذا الطلب، سيُطلب من الجميع أن يقدموا حسابا في يوم الدينونة العظيم.

ولكنّ حقوق يهوه لا يعترف بها الجميع. فالذين يدّعون انّهم قد قبلوا خدمة المسيا هم الذين يرمز إليهم المثل علي انّهم عبيده.

لقد افتُدِيَ أتباعُ المسيا ليخدموا. إنّ سيدنا يعلمنا أنّ هدف الحياة الحقيقي هو الخدمة. فقد كان المسيا نفسه خادما، وهو يقدّم لكل اتباعه قانون الخدمة ـ خدمة يهوه وخدمة بني جنسهم. لقد قدم المسيا للعالم هنا فكرة عن الحياة أسمى من كل ما سبقوه فعرفوه. إنّ الإنسان إذ يعيش ليخدم الآخرين يصير مرتبطاً بالمسيا. فقانون الخدمة يصير حلقة الاتصال التي تربط بيننا وبين يهوه وبني جنسنا.

إنّ المسيا يســلم عبيده (( أمواله )) – أي شيء يستثمر لأجله ، فهو يعطي (( لكل واحد عمله )) (مرقس 13 : 34). فلكلٍ مكانه في تدبير السماء الأبدي. وعلى كل واحد أن يعمل متعاونا مع المسيا لأجل خلاص النفوس. فكما نحن موقنون من انّه يوجد مكان معد لنا في المواطن السماوية فكذلك يجب أن نوقن انه قد تعين لنا مكان خاص على الأرض حيث نخدم يهوه.

مواهب الروح القدس

إنّ الوزناتِ التي يسلمها المسيا لكنيسته تمثل خاصة المواهب والبركات التي يمنحها الروح القدس: ((  فانه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة. ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد. ولآخر إيمان بالروح الواحد. ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد. ولآخر عمل قوات ولآخر نبوة، ولآخر تمييز الأرواح. ولآخر أنواع ألسنة ولآخر ترجمة ألسنة ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء )) (1كورنثوس 12 : 8-11 ). إنّ كل الناس لا يتقبلون نفس المواهب، ولكن قد أُعطيَ الوعدُ بإعطاء موهبة من مواهب الروح لكل خادم للسيّد.

إنّ المسيا قبلما ترك تلاميذه: (( نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس )) (يوحنا 20: 22). ثم قال : (( ها أنا أرسل إليكم موعد أبي )) (لوقا 24 : 49). ولكنّهم لم يقبلوا تلك الهبة في ملئها إلا بعد الصعود. فلم يقبل التلاميذ انسكاب الروح إلاّ بعدما سلموا ذواتهم بالتمام لعمله بالإيمان والصلاة. حينئذ سلمت أموال السماء إلى تلاميذ المسيا بمعنى خاص: (( إذ صعد إلى العلاء سبى سبيا وأعطى الناس عطايا )) (( لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيا )) (أفسس 4 : 8و7) (الروح) (( قاسما لكل واحد بمفرده كما يشاء )) (1كورنثوس 12 : 11). إنّ الهبات هي لنا الآن في المسيا ولكن امتلاكها امتلاكا فعليا يتوقف على قبولنا لروح يهوه.

إنّ الوعد بإرسال الروح لا يقدّر كما ينبغي. وإتمامه لا يتحقق كما يجب. إنّ غياب الروح هو الذي يجعل خدمة الإنجيل بلا قوة. قد تمتلك العلم والمواهب والفصاحة وكل هبة طبيعية أو مكتسبة, ولكن بدون حضور روح يهوه لا يمكن أن يتأثر أي قلب، ولا يمكن ربح أي خاطيء للمسيا. ومن الناحية الأخرى فإن أفقر تلاميذ المسيا وأجهلهم إذا كانوا مرتبطين به وإن كانت لهم هبات الروح ستكون لهم قوة تؤثر في القلوب. فيهوه سيجعلهم سبيلا لإحداث اعظم تأثير في المسكونة.

وزنات أخرى

إنّ هبات الروح الخاصة ليست هي الوزنات الوحيدة المبينة في المثل. فهي تشمل كل الهبات والعطايا سواء أكانت أصيلة أو مكتسبة، طبيعية أو روحية. وهذه كلها ينبغي استخدامها في خدمة المسيا. فنحن إذ نصير تلاميذَ له. نسلم ذواتنا له بكل كياننا وكل ما نملك. وهو يعيد إلينا هذه الهبات طاهرة وسامية لتُستخدَم لمجده في جلب البركة لبني جنسنا.

إنّ يهوه قد أعطى كل واحد (( على قدر طاقته )) (متى 25 : 15). إنّ الوزنات لا تُقّسم لكل واحد على هواه. ولكن الذي له المقدرة على استثمار خمس وزنات أُعطِيَ خمسا. والذي يمكنه أن يحسّن وزنتين يأخذ اثنتين، والذي يمكنه أن يتصرف بحكمة في وزنة واحدة فقط أعطيت له وزنة. فلا حاجة لأحد في أن ينتدب لأنه له وزنات أكثر، لأنّ الذي قسم لكل واحد نصيبه يتمجد عندما تحسّن كل وديعة سواء أكانت كثيرة أو قليلة. فالذي سُلّمَت إليه خمس وزنات عليه أن يستثمر الوزناتِ الخمس، والذي أخذ وزنة واحدة عليه أن يُحسن استخدام الواحدة فيهوه ينتظر نتائج (( على حسب ما للإنسان لا على حسب ما ليس له )) (2كورنثوس 8 : 12).

نجد في المثل أن (( الذي أخذ الخمس وزنات )) مضى (( وتاجر بها فربح خمس وزنات أخر. وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح أيضا وزنتين أخريين )) (متى 25 : 16و17).

إنّ الوزنات مهما تكن قليلة العدد ينبغي أن تُستثمر. إنّ السؤال الذي يهمنا أكثر من غيره هو ليس : كم أخذت؟ بل : ماذا أنا فاعل بما قد أخذت؟ إنّ تحسين كل قوانا هو أول واجب نحن مدينون به ليهوه ولبني جنسنا. فمن لا ينمو كل يوم في المقدرة والنفع لا يتمّم غرضَ الحياةِ. إننا إذ نعترف بإيماننا بالمسيا فنحن نتعهد أن نصبو إلى كل ما يمكننا أن نصير إليه كخدام للسيد، وان ننمّي كلّ قوة فينا إلى أقصى درجات الكمال حتى نستطيع أن نعمل أعظم قدر من الخير الذي نحن قادرون عليه.

إنّ للسيد عملا عظيما يجب إنجازه، وفي الحياة العتيدة سيورث النصيب الأكبر لمن يقومون بأعظم خدمة أمينة عن طيب خاطر في الحياة الحاضرة. والسيد يختار عماله وفي كل يوم في ظروف مختلفة يقدّم لهم اختبارا في خطة عمله، وفي كل مسعى أمين لتنفيذ خطّته يختار عماله لا لأنهم كاملون، بل لأنهم عن طريق ارتباطهم به يمكنهم أن يبلغوا حدّ الكمال.

ويهوه لا يقبل إلاّ من يصمّمون على أن يسموا بأهدافهم. وهو يجعل كل عامل تحت التزام بان يفعل أفضل ما يستطيعه. والكمال الأدبي مطلوب من الجميع. فينبغي ألاّ نخفض مقياس البرّ لكي نوفق بين الأميال الموروثة أو المغروسة وبين عمل الشر. وعلينا أنّ ندرك أن النقص في الخلُق هو خطية. وكل سجايا الخلق البارة هي في يهوه الذي هو كلُّ كامل ومنسجم، وكل من يقبل المسيا مخلّصاً شخصيا له يصبح له امتياز امتلاك هذه السجايا.

وعلى الذين يريدون أن يكونوا عاملين مع يهوه أن يجتهدوا في جعل كل عضو من أعضاء الجسم وكل صفة من صفات العقل في حالة الكمال. الثقافة الصحيحة هي إعداد القوى الجسمية والعقلية والأدبية لاداء كل واجب، وهي تهيئة الجسم والعقل والنفس للخدمة المقدسة – تلك هي الثقافة الباقية للحياة الأبدية.

إنّ السيد يطلب من كل مسيحي أن ينمو في الكفاءة والمقدرة في كل فروع العمل. لقد دفع لنا المسيا أجرتنا أي دمَه وآلامَه، لكي يحصل على خدمتنا الطوعية. ولقد أتى إلى عالمنا ليقدم لنا مثالا في كيف يجب أن نخدم وأي روح يجب أن ندخلها في عملنا. وهو يريدنا أن نفكر في كيف يمكننا أن نتقـدم بعملــه ونمجد اسـمه في العـــالم، ونتـوّج بالكــرامة وبأعظــم محبة وتكريس الآب الذي (( هكذا أحب يهوه العالم حتى بذل ابنه الوحـيد لكي لا يهلك كل من يؤمـن به بل تكون له الحيـاة الأبدية )) (يوحنا3 : 16).

ولكن المسيا لم يقدم لنا ضمانا بإنّ بلوغ الكمال في الخلُق مسألة سهلة. إنّ الخلُق النبيل المكمّل لا يورث، ولا نؤتاه بمحض الصدفة، بل يُكتسب بالمجهود الشخصي باستحقاق المسيا ونعمته. فيهوه يُعطي الوزنات وقوي العقل أمّا نحن فنصوغ الخلُق. وهو إنما يُصاغ بمعارك شديدة حامية مع الذات، إذ لابدّ من إثارة حرب بعد حرب ضدّ الأميال الموروثة, ولابد لنا من أن ننتقد نفوسنا بشدة وألاّ نسمح لأي خلة من الخلال غير المقبولة أن تظل بدون إصلاح.

لا يقل أحد: أنا عاجز عن إصلاح ضعفاتي الخلقية. فإذا وصلت إلي هذا القرار فستخفق في الحصول على الحياة الأبدية. إنّ الاستحالة كامنة في أرادتك أنت، فإذا لم ترد فلن تنتصر. إنّ الصعوبة الحقيقة ناشئة من فساد القلب النجس والنفور من الخضوع لسلطان يهوه.

ولكن كثيرين ممن قد أهّلهم يهوه للقيام بعمل جليل لا ينجزون إلاّ قليلا جدا، لانهم يحاولون قليلا. إنّ آلافا من الناس يسيرون في الحياة وكأنّ ليس لهم غرض معين يعيشون لأجله ولا جعالة يصلون إليها. هؤلاء سينالون مجازاة تتناسب وأعمالهم.

واذكر انك لن تصل إلى مقياس أعلى مما قد وضعته لنفسك. إذا فاجعل هدفك عاليا، وحينئذ فخطوة بعد خطوة. وان يكن بمجهود مؤلم لك، وبإنكار ذات وتضحية اصعد سلم النجاح إلى قمّته. ولا تدع شيئاً يعوقك. إنّ الحظ لم ينسج خيوطه حول أيّ إنسان بكل قوة بحيث يظل عاجزاً وفي شكّ. إنّ مقارعة الظروف ومقاومتها ينبغي أن تخلق في النفس العزم الصادق على الانتصار عليها. إنّ نقض سياج واحد كفيل بان يخلق في النفس قوة وشجاعة اعظم للتقدم إلى الأمام. فسر قدماً بعزم صادق في طريق الحق، وستكون الظروف مساعدة لك لا معرقلة.

كن طموحا لأجل مجد السيد لأن تغرس في خلُقك كلّ فضيلة. عليك في كلّ دور من أدوار بناء خلُقك أن ترضي يهوه. وأنت تستطيع أن تفعل هذا، لأنّ اخنوخَ أرضى يهوه مع انّه كان يعيش في وسط جيل منحط، ويوجد كثيرون من أمثال اخنوخ في يومنا هذا.

قف كدانيالَ السـياسي الأمـين، الذي لم يمكّنْ لأية تجربة أن تفسده. لا تخيّب انتظــارات من (( هكذا احبــك حتى بـذل نفسـه ليمحـو خطـاياك )). انّه يقول: (( بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا )) (يوحنا 15 : 5). فاذكر هذا. فان كنت قد أخطأت فأنت بالتأكيد تحرز النصرة إذا كنت ترى هذه الأخطاء وتعتبرها إنذارات بالخطر. وهكذا تقلب الهزيمة إلى نصرة، وهكذا تخيب انتظارات العدو وتكرم فاديك.

إنّ الخلق الذي يُصاغ حسب صورة يهوه هو الكنز الوحيد الذي نستطيع أن ننقله من هذا العالم إلى العالم الآتي. والذين هم خاضعون لتعليمات المسيا في هذا العـالم سـيأخـذون معـهم كل ما قد حصلوه من الأمور الإلـهية إلي مساكن السماء. وفي السماء ستسير على الدوام في طريق التحسن. إذا فما أهم أن ننمّي خلقنا في هذه الحياة.

إنّ أجناد السماء سيعملون مع العامل البشري الذي يطلب بإيمان ثابت كمال الخلق الذي يصل إلى كمال في العمل. إنّ المسيا يقول لكل من يشتغل في هذا العمل. إنّني سأعينك.

وإذ تتعاون إرادة الإنسان مع إرادة يهوه فهي تصبح مقتدرة. وكل ما يمكـن أن يعمـل بأمـره يمكـن أن يتم بقـدرته. وكل ملـزمـاته تصير إمكـانيات.

القوى العقلية

إن يهوه يطلب تدريب القوى العقلية. فهو يقصد أن يكون خدّامه حائزين ذكاء اعظم وتمييزاً أوضح من الإنسان العالمي, وهو يسخط على من هم عديمو الاكتراث ومتكاسلون جدا عن أن يصيروا خدّاما مقتدرين ذوي علم ودراية. إنّ السيد يأمرنا بان نحبه من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة ومن كل الفكر. هذا يضعنا تحت التزام تنمية العقل إلى اكمل سعته, حتى نعرف خالقنا ونحبه بكل فكرنا.

إنّ العقل إذا صار تحت سيادة الروح فكلّما أُجيدَ تثقيفه وتهذيبه كلما أمكن استخدامه بأكثر فاعلية في خدمة يهوه. إنّ الرجل غير المتعلم المكرس ليهوه والمشتاق لأن يبارك الآخرين يمكن للسيد أن يستخدمه في خدمته. ولكن الذين قد حصلوا علي منفعة التعليم السليم ولهم نفس روح التكريس يمكنهم أن يخدموا المسيا خدمة أعظم في مجالات أوسع. فهم يقفون في مركز ممتاز.

إنّ السيد يريدنا أن نحصل على كل تعليم ممكن، وأمام أنظارنا هذا الغرض وهو أن نعرّف به الآخرين. ليس منا من يعرف أين أو كيف يمكن أن يُدعي ليخدم يهوه أو يتحدث عنه. إنّ أبانا السماوي هو وحده الذي يرى ما يمكنه أن يصنع من الناس. توجد أمامنا إمكانيات لا يمكن لإيماننا الضعيف أن يراها أو يميزها. فينبغي أن ندرّب عقولنا بحيث إذا لزم يمكننا أن نقدم حقائق كلمته لأرقى السلطات الأرضية بطريقة تمجّد اسمه. فلا نترك فرصة واحدة تفلت منا دون أن نؤهل ذواتِنا عقليا لخدمة يهوه.

فعلى الشباب المحتاجين إلى العلم أن يبدأوا بالعمل بعزم لاجتناء ثمراته. لا تنتظروا حتى يُفتَح لكم الباب، بل افتحوا لأنفسكم. وتمسّكوا بأي طريق صغير يعرضُ نفسه لكم. ثم مارسوا الاقتصاد. فلا تنفقوا أموالكم في إشباع نهمكم أو طلب الملذات. اعزموا على أن تصيروا نافعين ومقتدرين كما يدعوكم يهوه أن تكونوا. كونوا كاملين ومتقنين وأمناء في كل ما تباشرونه. حصّلوا كل منفعة أو ميزة في متناول أيديكم لأجل تقوية عقولكم. واجمعوا بين دراسة الكتب والعمل اليدوي النافع, وبالمسعى الأمين والسهر والصلاة احرزوا الحكمة التي من فوق. هذا يمنحكم تعليما شاملا. وهكذا يمكنكم أن تسموا بأخلاقكم وتكسبوا تأثيرا على عقول أخرى يقدركم على أن ترشدوهم في طريق البرّ والقداسة.

ويمكن إتمام أشياء اكثر في عمل تعليم النفس إذا كنا يقظين لفرصنا وامتيازاتنا. إنّ التعليم الصحيح يعني شيئا اكثر ممّا يمكن للكليات أن تقدمه. ففي حين يجب ألاّ نغفل درس العلوم فإنّ هنالك تعليما أعلى يمكن الحصول عليه عن طريق الارتباط الحيوي بيهوه. فليأخذ كل طالب كتابه المقدس ويدخل في شركة مع المعلّم العظيم. وليتعلم العقل ويتدرب على أن يصارع المشاكل المستعصية بحثا عن الحق الإلهي.

إنّ من يجوعون إلى العلم لكي يباركوا بني جنسهم سيحصلون هم أنفسهم على بركة من يهوه. وعن طريق درسهم لكلمته تستيقظ قوى عقولهم للنشاط والعمل الغيور. وستتسع قواهم العقلية وتنمو وسيحصل العقل على القوة والكفاءة.

وينبغي لكل من يريد أن يكون خادما ليهوه أن يمارس تدريب نفسه. هذا ينجز اكثر ممّا تستطيع الفصاحة أو أعظم المواهب المتألقة أن تنجزه. إنّ العقل العادي متى أُحسِنَ تدريبه ينجز عملا أكثر وأسمى مما يمكن أن ينجزه العقل الحاصل على أعلى تعليم وأعظم ثقافة وأعظم المواهب بدون ضبط النفس.

الخطابة أو الكلام

إنّ القدرة على الكلام هي موهبة ينبغي الاجتهاد في إصلاحها وتهذيبها. ومن بين كل الهبات التي تسلمناها من يهوه لا توجد هبة أخرى يمكنها أن تكون بركة أعظم من هذه. فبهذا الصوت نقنع الناس ونستميلهم, وبه نقدم الصلاة والتسبيح إلى يهوه. وبه نخبر الآخرين عن محبة المخلص. إذا فكم هو أمر مهمّ جدّا أن ندربه ليكون اكثر فاعلية للخير.

إنّ تهذيب الصوت واستخدامه استخداما صائباً مهملان إلى حدّ كبير حتى من ذوى الذكاء والنشاط المسيحي. يوجد كثيرون ممن يقرأون أو يتكلمون بصوت منخفض أو بسرعة بحيث لا يمكن فهم الكلام بسهولة. والبعض نطقهم غليظ وغير واضح, وغيرهم يتكلمون بنغمة عالية وصوت حاد (( مصرصع )) بحيث يتألم منه السامعون. والآيات والترانيم والتقارير وغيرها من الأوراق التي تقدم أمام مجتمعات عامة تقرأ أحياناً بطريقة تجعلها غير مفهومة وفي الغالب ما تضيع قوّتها على التأثير.

هذا شرّ يمكن ويجب إصلاحه. والكتاب يقدم لنا تعليمات بهذا الشأن. قد قيل عن اللاويين الذين قرأوا من الكتاب للشعب في أيام عزرا: (( قرأوا في السفر في شريعة يهوه وفسروا المعنى وأفهموهم القراءة )) (نحميا 8:8).

فبواسطة الإجتهاد والمثابرة يمكن للجميع أن يحصلوا على قوة على القراءة بوضوح ويتكلموا بنغمة كاملة جلية ممتلئة وبكيفية واضحة ومؤثرة. فإذ نفعل هذا قد نزيد من مقدرتنا كخدام للمسيا إلى حد كبير.

إنّ كل مسيحي مدعوّ لأن يعرّف الآخرين بغنى المسيا الذي لا يُستقصي. فلهذا عليه أن يجتهد في أن يكون كاملا في الخطابة. وعليه أن يقدم كلمة يهوه بطريقة تمتدحها لدى السامعين. فيهوه لا يقصد أن تكون اقنيته البشرية فظّة أو خشنة. وليس من إرادته أن يحقر الإنسان أو يحط من شأن المجرى السماوي الذي يجري عن طريقه إلي العالم.

ينبغي لنا أن ننظر إلى يهوشوه مثالنا الكامل. ولنصلِّ في طلب معونة الروح القدس, وبقوته علينا أن نحاول تدريب كل عضو ليعمل عملا كاملا.

وهذا ينطبق خصوصاً على من يُدعون لخدمة جهارية عامة. فعلى كل خادم وكل معّلم أن يذكر انّه إنّما يقدم للشعب رسالة تتضمن مصالح أبدية. والحق الذي يقال سيدينهم في اليوم الأخير يوم الحساب العظيم. وبالنسبة إلى البعض نجد أنّ طريقة إلقاء الرسالة تقرّر قبولها أو رفضها. إذا لينطق بالكلمة بحيث تروق للفهم وتؤثر في القلب. يجب النطق بها على مهل وبوضوح ووقار، ومع ذلك بكل الغيرة التي تتطلّبها أهميتها.

إنّ التهذيب الصحيح والاستخدام الصائب لقوة الخطابة لها أهمية في كل فروع الخدمة المسيحية. لها دخل في الحياة البيتية وفي كل اتصالاتنا مع بعضنا البعض. فيجب أن نعوّد أنفسنا التحدث بنغمات مسرة ونستعمل لغة طاهرة وصحيحة وأقوالا مُشفقةً ولطيفة. فالأقوال الحلوة والمشفقة هي كالندى والسيول اللطيفة للنفس. والكتاب يقول عن المسيا إنّ النعمة قد انسكبت على شفتيه. (( لأعرف أن أغيث المعيي بكلمة )) (مزمور 45: 2؛ إشعياء 50 : 4). والسيد يأمرنا قائلاً : (( ليكن كلامكم كل حين بنعمة )) (كولوسي 4 : 6 ) (( كي يعطي نعمة للسامعين )) (أفسس 4: 29).

وعندما نحاول تصحيح أخطاء الآخرين أو إصلاحهم علينا أن نكون حذرين وحريصين في كلامنا. فقد يكون كلامنا رائحة حياة لحياة أو رائحة موت لموت. إنّ كثيرين حين يوبّخون إنسانا أو ينصحون يتكلمون كلاما حادا صارما وكلمات لا تتلاءم مع النفس الجريحة. إذ بسبب هذه العبارة غير السديدة نغضب الروح وغالبا ما يجنح المخطئون إلى العصيان والتمرّد. إنّ كل من يريدون أن يدافعوا عن مباديء الحق يحتاجون إلى أن يُمسحوا بزيت المحبة السماوية. وفى كل الظروف يجب أن يكون التوبيخ بمحبة. وحينئذ يُصلِحْ كلامنا الناس دون أن يسخطهم. فالمسيا بروحه القدوس سيعطي القوة والسلطان. هذا هو عمله.

ينبغي ألاّ تُقال كلمة بتهوّر, وينبغي لمن يتبع المسيا ألاّ تفلت من شفتيه أيّ كلمة شرّيرة ولا حديث استهتار ولا كلمة تبرّم نكد أو اقتراح نجس. إنّ بولس الرسول يكتب بالروح القدس فيقول: (( لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم )) (افسس 4 : 29). إنّ الكلمة الردية لا تعني فقط الكلام الدنيء. ولكنّها تعني أيضا أيّ تعبير يتنافى مع المباديء المقدسة والديانة الطاهرة النقية. وهي تشمل أيضا التلميحات النجسة والايعازات الخفية للشرّ. فهذه إذا لم نقاومها في الحال تقود إلى خطية عظيمة.

فعلى كل عائلة وفرد مسيحي يوضع واجب سد الطريق على الكلام الفاسد. فعندما نكون في رفقة من يكثرون من كلام الغباء علينا أن نغيّر موضوع الحديث إذا أمكن. فعلينا بنعمة يهوه أن ننطق بكلام أو ندخل موضوعاً يحوّل الحديث في مجرى نافع.

إنّ عمل الوالدين هو أن يربّوا أولادهم على العادات السليمة في الكلام. وأفضل مدرسة لهذه التربية هي الحياة البيتية. فمن بدء سني حياة الأولاد يجب تعليمهم أن يتكلموا مع والديهم ومع بعضهم البعض باحترام ومحبة. ويجب أن يتعلموا ألاّ يخرج من أفواههم إلاّ كلام اللطف والصدق والطهارة. وليتعلم الوالدون أنفسهم كل يوم في مدرسة المسيا. وحينئذ يمكنهم بواسطة الوصية والمثال أن يعلّموا أولادهم كيف يقولون: (( كلاما صحيحا غير ملوم )) (تيطس 2: 8). هذا هو أحد واجباتهم الأعظم والأكثر مسؤولية.

وكتلاميذ للمسيا ينبغي أن نجعل كلامنا بحيث يكون عونا وتشجيعا لبعضنا البعض في الحياة المسيحية. وعلينا أن نتحدث عن الفصول الثمينة في اختبارنا اكثر بكثير مما نفعل. ويجب أن نتحدث عن رحمة يهوه ورأفته وعن أعماق محبة المخلص التي لا يُسبَرُ غورُها. ويجب أن يكون كلامنا كلام الشكر والحمد. وإذا كان العقل والقلب مفعمين بمحبة يهوه فهذا سيظهر في الحديث. ولن يكون أمراً صعبا أن نعطي للغير ما له صلة في حياتنا الروحية. فالأفكار العظيمة والاشتياقات النبيلة والإدراك الواضح للحق والأهداف الخالية من الاثرة والحنين إلى التقوى والقداسة، هذه كلها ستؤتي ثمرها في الأقوال التي تكشف عن صفة كنز القلب. فمتى أعلن المسيا هكذا في حديثنا فسيكون لذلك قوة في ربح النفوس له.

وينبغي لنا أن نتحدث عن المسيا مع من لا يعرفونه. فيجب أن نعمل كما عمل المسيا. فأينما وجد إن في المجمع أو على جانب الطريق أو في وليمة الفريسي, أو على مائدة العشار كان يحدث الناس عن الأمور المتعلقة بالحياة الأسمى. فأمور الطبيعة وحوادث الحياة اليومية كان يُربَط بينها وبين كلام الحق. وقد اجتذبت إليه قلوب سامعيه لأنه قد شفى مرضاهم وعزّى المحزونين منهم وحمل أولادهم بين ذراعيه وباركهم. فعندما فتح فمه ليتكلم اتّجه انتباههم إليه وكانت كل كلمة من كلامه رائحة حياة لحياة لبعض النفوس.

وهكذا ينبغي أن يكون الحال معنا. فأينما نكون يجب أن نراقب الفرص للتحدث مع الآخرين عن المخلّص. فإذا تمثلنا بالمسيا في عمل الخير فستنفتح لنا القلوب كما قد انفتحت للسيد. فيمكننا بدون أن نقطع حبل الحديث بل بلباقة صادرة من المحبة الإلهية يمكننا أن نحدثهم عن ذاك الذي هو (( مُعلَمُُ بين ربوة )) و (( كلّه مشتهيات )) (نشيد 5 : 10 و 16). هذا هو أسمى عمل يمكننا فيه أن نستخدم موهبة الكلام. فلقد أُعطيت لنا حتى يمكننا أن نقدّم للناس المسيا كالمخلص غافر الخطايا.

التأثير

لقد كانت حياة المسيا تأثيرا دائم الاتساع لا شواطيء له، تأثير ربط بينه وبين الأسرة البشرية كلها. وبواسطة المسيا منح يهوه الإنسان تأثيرا يجعل من المستحيل عليه أن يعيش لنفسه. إنّ كل فرد منا مرتبط ببني جنسه, وهو جزء من كلّ يهوه العظيم, ونحن تحت التزامات متبادلة. ولا يمكن لإنسان أن يعيش مستقلا عن بني جنسه، لأن خير كل فرد أو رفاهيته تؤثر في الآخرين. ويهوه يقصد أنّ كل واحد يشعر بأنّه لازم وضروري لأجل خير الآخرين، وأن يجتهدَ في العمل على إسعادِهم.

إنّ كل نفس محاطة بجو خاص بها – جو يمكن أن يكون مشحونا بقوة الإيمان المانح الحياة والشجاعة والرجاء ومعطر بأريج المحبة, أو ربما يكون ثقيلا وباردا بفعل الحزن الناشيء عن التذّمر والأنانية، أو مسموما بسبب وصمة عار خطية محبوبة. وكل إنسان نختلط به لابدّ أن يتأثّر بالجو المحيط بنا، سواء علم بذلك أو لم يعلم.

هذه مسؤولية لا يمكننا أن نخلي أنفسنا منها. فأقوالنا وأعمالنا ولبسنا وتصرفنا وحتى تعبيرات وجوهنا لها تأثيرها. وعلى التأثير الذي يحدث تتوقف نتائج للخير أو للشر لا يمكن لإنسانٍ أن يقيسها. فكل دافع يبذل هكذا هو بذرة تزرع ولابد أن تؤتي ثمارها. وهو حلقة في السلسلة الطويلة سلسلة الحوادث البشرية التي لا نعلم إلي أين تمتدّ. فإذا كنا بمثالنا نساعد الآخرين على إنماء المباديء الصالحة فإننا نزودهم بالقوة على عمل الخير. وهم بدورهم يستخدمون نفس التأثير على الآخرين, وهؤلاء على آخرين أيضا. وهكذا بتأثيرنا الذي لا نعلم به يمكن لآلاف من الناس أن يتباركوا.

ألقِ بعض الحصى في البحيرة فتتكون موجة وأخرى وأخرى. وإذ تزيد يتسع محيطها حتى يصل إلى الشاطيء. وكذلك الحال مع تأثيرنا. فبدون علمنا أو سيطرتنا هو يؤثر في الآخرين إن للبركة أو اللعنة.

والخلُق قوّة. فالشهادة الصامتة للحياة الأمينة التقيّة غير المحبة لذاتها تعمل تأثيرا يكاد لا يقاوم فنحن إذ نعلن صفات المسيا في حياتنا نتعاون معه في عمل خلاص النفوس. ولا يمكننا التعاون معه ما لم تظهر صفاته في حياتنا.

وكلما اتسع نطاق تأثيرنا كل ما أمكننا أن نفعل خيراً أعظم. فعندما يتبع من يعترفون بأنهم يخدمون يهوه مثال المسيا ممارسين مباديء الناموس في حياتهم اليومية وعندما يشهد كل عمل بأنّهم يحبون يهوه أعظم حبّ ويحبون القريب كأنفسهم، حينئذ تكون في الكنيسة قوة بها تحرك العالم.

ولكن ينبغي ألاّ ننسى أنّ للتأثير قوة مماثلة للشرّ. إن خسر إنسان نفسه فذلك أمر مخيف, ولكن كون الإنسان يتسبب في هلاك نفوس الآخرين فهذا فكر مريع. إنّ كثيرين ممن يعترفون بأنّهم يجمعون مع المسيا هم في الواقع يفرقون الناس بعيدا عنه. وهذا هو السبب في ضعف الكنيسة. وكثيرون يمعنون في الانتقاد والشكوى والاتهام. فإذ يعبرون عن الشك والحسد والتبرم يسلّمون ذواتهم آلات طيّعة في يد الشيطان. وقبلما يدركون ماذا هم صانعون يكون العدّو قد تمّم غرضه عن طريقهم. فلقد حدث التأثير الشرير وأُلقِيَ الظل وسهام الشيطان قد أصابت مقتلا. فالشكّ وعدم الإيمان والإلحاد الصريح قد ضيقت الخناق على أولئك الذين لولا ذلك كان يمكنهم أن يقبلوا المسيا. وفي أثناء ذلك ينظر خدام الشيطان بفرح إلي من قد ساقوهم إلى الإلحاد والذين قد تقسّوا الآن ضد التوبيخ والتوسل. انهم يخدعون أنفسهم قائلين إنّهم بالمقارنة مع هذه النفوس يعتبرون أفاضل وأبرارا. ولكنهم لا يدركون أن حطام هذه الأخلاق إنّما هو من صنع ألسنتهم التي أطلقوا لها العنان وقلوبهم المتمردة, فبسبب تأثيرهم سقط هؤلاء الناس المجرّبون.

وهكذا نجد أنّ الاستهتار والانغماس الأناني والإهمال وعدم الاكتراث من جانب المعترفين بالمسيحية تبعد نفوسا كثيرة عن طريق الحياة. ويوجد كثيرون ممن سيخافون أن يواجهوا عواقب تأثيرهم أمام محكمة يهوه.

إنّما بواسطة نعمة يهوه يمكننا استخدام هذه الهبة استخداما صائبا. ولا شيء في ذواتنا به يمكننا أن نؤثّر في الآخرين للخير. فإذا تحققنا من عجزنا وحاجتنا إلى القوة الإلهية لن نثق بذواتنا. إننا لا نعرف أيّ النتائج يمكن أن تُحدّد في يوم أو ساعة أو لحظة, وينبغي ألا نبدأ اليوم بدون أن نسلّم طرقنا لأبينا السماوي. إنّ ملائكته مكلّفون بالسهر علينا فإذا وضعنا أنفسنا تحت رعايتهم ففي كل وقت نتعرّض فيه للخطر يكونون عن يميننا. وعندما نكون في خطر إحداث تأثير خاطيء على غير علم منا فالملائكة يكونون إلي جانبنا يستحثوننا للسير في طريق افضل، فيختارون لنا أقوالنا ويؤثرون في أعمالنا. وهكذا يمكن أن يكون تأثيرنا قوة وان تكن صامتة ولا نعلم بها فإنّها قوة جبّارة في اجتذاب الآخرين إلى المسيا وإلى العالم السماوي.

الوقت

أن وقتنا هو من حق يهوه، فكل لحظة هي له ونحن تحت أخطر التزام بأن نحسن استخدامه لمجده. ولن يطلب منّا إعطاء حساب عن أية وزنة من الوزنات الأخرى بأشدّ دقة من وقتنا.

إنّ قيمة الوقت هي فوق كل تقدير. لقد اعتبر المسيا كل برهة ثمينة ونحن يجب أن نعتبرها كذلك. إنّ الحياة أقصر من أن ننفقها في غير طائل. لقد أُعطيتْ لنا أيامُ إمهال قليلة فيها نستعد للأبدية. لا وقت لنا نضيعه ولا وقت ننفقه في المسرات الأنانية ولا وقت للانغماس في الخطية. فعلينا الآن أن نصوغ أخلاقنا للحياة العتيدة الخالدة. علينا الآن أن نتأهب للدينونة الكاشفة.

إنّ الأسرة الإنسانية ما أن بدأت تحيا حتى بدأت تموت، وإنّ تعب العالم الذي لا ينقطع ينتهي إلى العدم ما لم يحصل الإنسان على معرفة حقيقية بالحياة الأبدية. والإنسان الذي يقدّر الوقت على أنّه يوم عمله سيؤهل نفسه لمسكن وحياة خالدة. فخير لهذا الإنسان انه قد ولد.

إنّ الكتاب يوصينا بأن نفتدي الوقت. ولكن الوقت الذي يبعثر لا يمكن افتداؤه. إننا لا يمكننا استرداد لحظة واحدة. والطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نفتدي بها الوقت هي أن ننتفع أعظم انتفاع بما قد بقي وهو بأن نعمل مع يهوه في تدبيره العظيم تدبير الفداء.

فالذي يفعل هذا يحدث تغييرُُ في أخلاقه. فيصير ابنا ليهوه وعضوا ضمن الأسرة الملكية وابنا لملك السماء. ويؤهل لأن يكون عشيرا للملائكة.

هذا هو الوقت الذي فيه نعمل لأجل خلاص بني جنسنا. يوجد بعض من يظنون أنهم لو قدّموا مالاً لعمل المسيا فهذا كل ما يٌطلب منهم عمله، والوقت الثمين الذي فيه كان يمكنهم أن يقوموا بخدمة شخصية له يمرّ عبثا. ولكنّه امتياز وواجب على كل من يتمتعون بالصحة والقوة أن يقدموا ليهوه خدمة نشيطة. فعلى الجميع أن يعملوا لربح النفوس للمسيا. فالعطايا المالية لا يمكنها أن تسدّ في مكان هذا العمل.

إنّ كل برهة محملة بنتائج أبدية. فيجب أن نقف كرجال الساعة مستعدين للخدمة لدى أول طلب  فالفرصة التي بين أيدينا الآن لنتحدث مع نفس محتاجة بكلام الحياة قد لا تعرض لنا مرّة أخرى. فقد يقول يهوه لذلك الإنسان: (( هذه الليلة تطلب نفسك منك )) (لوقا 12: 20). وقد لا يكون مستعدّا بسبب إهمالنا. فكيف نقدّم حسابنا ليهوه في يوم الدينونة العظيم؟

إنّ الحياة أخطر من أن تبتلعها المسائل الزمنية الأرضية، في طاحون الهم والقلق على الأشياء التي ليست سوى ذرة بالمقارنة بالأشياء التي بها خطورة أبدية. ومع هذا فقد دعانا يهوه لنخدمه في شؤون الحياة الزمنية. والاجتهاد في هذا العمل هو جزْء من الديانة الحقيقية بقدر ما هي العبادة. والكتاب لا يوافق علي البطالة. فهي اعظم لعنة تصيب عالمنا. فكل رجل وامرأة متجددين حقا لابد أن يكونا عاملين مجدين.

وعلى استخدامنا الصائب لوقتنا يتوقف نجاحنا في الحصول على المعرفة والثقافة العقلية. إنّ تهذيب العقل لا ينبغي أن يعيقه الفقر أو الأصل الوضيع أو البيئة غير الموافقة. إنما ينبغي ادخار اللحظات. فاللحظات القليلة هنا والقليل منها هناك التي يمكن إنفاقها في حديث بلا هدف. وساعات الصباح التي تضيع ونحن راقدون في الفراش. والوقت الذي ينفق في السفر في الترام أو في سكة الحديد أو في الانتظار على المحطة, واللحظات التي فيها ننتظر وجبات الطعام أو انتظار مجيء من قد تأخروا عن الميعاد المضروب – فلو أمسك الإنسان كتابا وأحسن استعمال هذه اللحظات في الدرس والمطالعة أو التفكير الحريص فما اكثر ما يمكن إنجازه. إنّ العزم الصادق والجد والمثابرة التي لا تلين والاقتصاد الحريص في صرف الوقت لابدّ أن يساعد الناس على اجتناء العلم وتدريب العقل ممّا يؤهلهم لأي مركز ذي نفوذ ونفع.

إنّه من واجب كل مسيحي أن يكتسب عادات النظام والإتقان والسرعة. لا عذر لاحد في التباطؤ أو عدم إتقان العمل من أي نوع. فإذا كان الإنسان دائبا على العمل دائما دون أن ينهي عمله فالسبب في ذلك هو انّه لا يضع كل عقله وقلبه في العمل. فالإنسان البطيء والذي يعمل لغير طائل بل للخسارة يجب أن يتأكد من أن هذه أخطاء ينبغي إصلاحها. إنّه بحاجة إلى تدريب عقله في رسم الخطة التي بها يستخدم وقته بحيث يحصل على أفضل النتائج. فبواسطة اللباقة والنظام يمكن للبعض أن ينجزوا في خمس ساعات قدر ما ينجزه غيرهم في عشر ساعات. إنّ بعض من ينشغلون في عمل منزلي هم دائما يشتغلون لا لأن عليهم عملا كثيرا بل لأنهم لا يحسبون حساب توفير الوقت. فبسبب طرق البطء والتواني التي يسيرون عليها يخلقون من العمل القليل عملاً كثيرا. ولكن كل من يريدون يمكنهم الانتصار علي هذه العادات المملّة البطيئة. فليكن لهم هدف معين في عملهم. حدد الوقت المطلوب للقيام بعمل معين ثم ابذل قصاراك لإنجازه في الوقت المحدد. إن استخدام قوة الإرادة يجعل اليدين تعملان بمهارة.

إنّ الأشخاص عندما لا يوجد عندهم العزم لكي يضعوا أنفسهم في أيديهم ويصلحوا أمورهم يصيرون مصحّفين في طريق خاطيء للعمل، لكن إن دربوا قواهم يكتسبون قوة للقيام بأفضل خدمة. وحينئذ تنهال عليهم الطلبات في أي زمان وفي كل مكان. وسيقدرهم الناس بحسب قدرهم.

إنّ كثيرين من الأولاد والشباب يضيعون الوقت الذي كان يمكن صرفه في حمل أعباء البيت وبذلك كانوا يبرهنون على اهتمامهم ومحبتهم لآبائهم وأمهاتهم. فيمكن للشباب أن يأخذوا على عواتقهم القوية الشابة كثيرا من التبعات التي يجب أن يحملها شخص ما.

إنّ حياة المسيا منذ سني عمره الباكرة كانت حياة النشاط والغيرة. فهو لم يعش ليرضي نفسه. كان ابنَ الإله السرمدي ومع ذلك فقد كان يحترف النجارة مع يوسفَ أبيهH. وقد كان لحرفته مغزاها. فلقد أتى إلى العالم كبنّاء للأخلاق, وقد كان كل عمله بالغا حد الكمال من هذه الناحية. وقد أدخل إلى كل عمله الدنيوي نفس الكمال الذي أدخله في الصفات التي كان ينيرها بقدرته الإلهية. وهو مثالنا.

H كان يهوشوه مسجلاً قانونياً كإبن ليوسف خطيب مريم.

 

على الآباء أن يعلّموا أولادهم قيمة الوقت وكيف يستخدمونه استخداماً صائباً. فعلموهم إنّ كونهم يعملون عملا به يكرمون يهوه ويباركون الإنسانية هو عمل يستحق أن يعيشوا لأجله. ويمكنهم حتى في بكور شبابهم أن يكونوا مرسلين ليهوه.

إنّ أعظم خطية يرتكبها الوالدون هي أن يسمحوا لأولادهم بان لا يكون لهم شيء يعملونه. وسرعان ما يحب الأولاد البطالة فيشبّون رجالا ونساء عديمي التدبير عديمي النفع. وعندما يكبرون ليكسبوا رزقهم ويجدون عملا فهم يقومون به بتراخٍ وتكاسل، ومع ذلك ينتظرون أجرا كاملا كما لو كانوا أمناء في عملهم. يوجد بونُُ شاسع بين هؤلاء العاملين وبين من يدركون أنهم يجب أن يكونوا وكلاء أمناء.

إنّ عادات الخمول والإهمال متي انغمس فيها الإنسان وهو يمارس أعماله الدنيوية لابدّ أن تتغلغل في الحياة الدينية وتجعله غير أهل لأن يقوم بخدمة نافعة ليهوه. إنّ كثيرين ممّن كان يمكنهم بواسطة الاجتهاد في العمل أن يكونوا بركة للعالم أصابهم الدمار بسبب البطالة. إنّ كون الإنسان بلا عمل وبلا غرض ثابت يفتح الباب لآلاف التجارب. إنّ عشراء السوء والعادات الشريرة تفسد العقل والنفس, ونتيجة ذلك الدمار في هذه الحياة والحياة الآتية.

مهمـا يكن نوع العمل الـذي نشـتغل فيه فـإنّ كلـمة يهوه تعلّـمنا أن نكـون (( غير متكاسلين في الاجتهاد. حارّين في الروح عابدين يهوه )) (( كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك ))، (( عالمين أنكم من يهوه ستأخذون جزاء الميراث. لأنكم تخدمون السيد المسيا )) (رومية 12 : 11 ؛ جامعة 9 : 10 ؛ كولوسي 3 : 24).

الصحة

الصحة بركة لا يقدّر قيمتها غير القليلين. ومع ذلك فإنّ عليها تتوقف كفاءةُ قوى عقولنا وأجسامنا إلى حد كبير. إنّ نوازعنا وأهواءنا مركزها الجسم فينبغي حفظه في أفضلِ حالاته صحـياً وتحت أكثر المؤثرات روحية حتى يمكننا أن نستخدم مواهبنا أسمى استخدام.

إنّ أيّ شيءٍ يقلل القوة البدنية يضعف العقل ويجعله أقل اقتداراً على التمييز بين الصواب والخطأ. ونحن نصير أقل اقتداراً على اختيار الخير وتصير إرادتنا أضعف من أن تعمل ما نعرف انّه الصواب.

إنّ سوء استخدامنا لقوانا البدنية يقصّر الوقت الذي فيه يمكن استخدام حياتنا لمجد يهوه. وهذا يجعلنا غير أهل لإتمام عمل يهوه الذي أعطاه لنا لنعمله. وإذ نسمح لنفوسنا بتكوين عادات خاطئة والتأخر ساعات طويلة وإشباع نهمنا على حساب صحتنا فإننا إنما نضع أساس ضعفنا. وإذ نهمل التمرينات البدنية ونجهد عقولنا أو أجسامنا فإننا نحدث اختلالا في الجهاز العصبي. والذين يقصّرون أعمارهم بهذه الكيفية ويجعلون أنفسهم غير أهل للخدمة بعدم مراعاتهم لقوانين الطبيعة فهم مجرمون بسلب يهوه. كما انهم يسلبون بني جنسهم أيضاً. إنّ فرصة منحهم البركة للآخرين، أي نفس العمل الذي قد أرسلهم يهوه إلى العالم لأجله أمست قصيرة بسبب تصرّفهم. وقد جعلوا أنفسهم غير أهلٍ لأن يعملوا ما كان يمكنهم أن يعملوه حتى في فترة حياة أقصر. والسيد يعتبرنا مجرمين عندما نحرم العالم من الخير بهذه العادات الضارة.

التعدّي على الناموس الطبيعي هو أيضاً تعدّ على الناموس الأدبي, لأنّ يهوه هو مشرّع النواميس الطبيعية كما هو مشرع الناموس الأدبي. فناموسه مكتوب بإصبعه على كل عصب وعلى كل عضلة وعلى كل قوة عقلية أعطيت للإنسان. ففي كل مرّة نسيء استخدام أيّ جزء من جهازنا فنحن ننتهك ذلك القانون.

وينبغي أن تكون للجميع معرفة واعية للجسم البشري لكي يحفظوا أجسامهم في الحالة اللازمة للقيام بعمل يهوه. فيجب حفظ الحياة الطبيعية بكل حرص وتقويتها حتى عن طريق الطبيعة البشرية تعلن الطبيعة الإلهية في ملئها. إنّ العلاقة بين جهاز الجسم والحياة الروحية لمن أهم فروع التعليم. فيجب أن يُلتفتَ إليه بكل حرص في البيت وفي المدرسة. فالجميع بحاجة إلى التعرّف على تكوينهم الجسماني والقوانين التي تتحكم في الحياة الطبيعية. و الذي ينتهكها في جهل هو مخطيء إلى يهوه. فعلي الجميع أن يضعوا أنفسهم في أفضل صلة ممكنة بالحياة والصحة. فيجب أن تخضع عاداتنا للعقل الذي يسود عليه يهوه.

يقول بولس الرسول: (( أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من يهوه وأنكم لستم لأنفسكم. لأنكم قد اشتريتم بثمن. فمجدوا يهوه في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي ليهوه )) (1كورنثوس 6: 19و20).

القوة

علينا أن نحب يهوه ليس فقط من كل القلب ومن كل الفكر ومن كل النفس بل أيضاً من كل القوة. وهذا يتناول الاستخدام الواعي الكامل للقوي البدنية .

كان المسيا خادما أمينا في الأمور الزمنية كما في الروحية. وفي كل عمله قرّر أن يفعل إرادة أبيه. إنّ أمور السماء والأرض هي مرتبطة معا بربط دقيقة وتحت إشراف المسيا المباشر أكثر ممّا يدركه الكثيرون. فالمسيا هو الذي رسم ترتيبات المسكن الأرضي الأول. وهو الذي أعطي كل المواصفات الخاصة ببناء هيكل سليمان. فذاك الذي كان في حياته الأرضية يشتغل كنجار في قرية الناصرة كان هو المهندس السماوي الذي رسم خطة البناء المقدس حيث كان اسمه سيُمجّد.

والمسيا هو الذي منح بناة المسكن حكمة لإتمام أمهر وأجمل صناعة. فقد قال: (( انظر قد دعوت بصلئيل بن اوري بن حور من سبط يهوذا باسمه. وملأته من روح يهوه بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة ... وها أنا قد جعلت معه أهوليآب بن اخيساماك من سبط دان. وفي قلب كل حكيم القلب جعلت حكمة ليصنعوا كل ما أمرتك )) (خروج 31: 2-6).

إنّ يهوه يريد أن خدامه ينظرون إليه، في كل أنواع العمل, كمن قد أعطاهم كل ما يملكون. فكل المخترعات والتحسينات الصحيحة مصدرها منه هو العجيب في المشورة والمبدع في العمل. إنّ لمسةَ يدِ الطبيبِ الماهرة, وسلطانَه على الأعصاب والعضلات, ومعرفتَه لتركيب أعضاء الجسم الدقيق هي حكمة القدرة الإلهية لتُستخدم لخير المتألمين. والمهارة التي بها يستعمل النجار المطرقة, والقوة التي بها يجعل الحداد السندان يدق ويطنّ آتية من يهوه. لقد استودع لدي الناس وزنات وهو ينتظر انّهم ينظرون إليه في طلب المشورة. فكل ما نفعله في أيّ قسم من أقسام العمل نكون يريد هو أن يدير أفكارَنا حتى يمكننا أن نعمل عملا كاملا.

إنّ الدين والعمل ليسا شيئين منفصلين، فهما واحد. فيجب أن تتدخل ديانة الكتاب في كلّ ما نعمله أو نقوله. يجب أن تتّحد الوسائل البشرية في الأعمال الزمنية كما في الأعمال الروحية. فيجب أنّها تتّحد في كلّ المطالب البشرية في الأعمال الميكانيكية والزراعية والمشاريع التجارية والعلمية. وأن يكون هناك تعاون في كلّ ما يشمله النشاط المسيحي.

ولقد أعلن يهوه المباديء التي بها وحدها يمكن تحقيق هذا التعاون. فيجب أن يكون مجده هو الباعث لكل من يعملون معه. وأن نعمل كلّ عملنا بدافع المحبة ليهوه والتوافق مع إرادته.

إنّه أمر جوهري أن نفعل إرادة يهوه ونحن نقيم بناء كما عندما نشترك في خدمة دينية تماما. وإذا كان العمال قد ادخلوا المباديء السليمة في تكوين أخلاقهم ففي إقامة كل بناء سينمون في النعمة والمعرفة.

ولكن يهوه لن يقبل أعظم المواهب ولا أجلّ الخدمات ما لم توضع الذات علي المذبح ذبيحة حيّة مستهلكة, فينبغي أن يكون الأصل مقدسا وإلاّ فلن يكون هنالك ثمر مقبول لدى يهوه.

ولقد جعل السيد دانيال ويوسف مدبريَن ذكيّيَن. وقد أمكنه أن يستخدمهما لأنهما لم يعيشا لإرضاء أميالهما بل لإرضاء يهوه.

وفي حالة دانيال يوجد لنا درس نتعلمه. فهي تكشف لنا أنّ رجل الأعمال ليس بالضرورة رجلاً صارما في سياسته. فيمكنه أن يتعلّم من يهوه عند كل خطوة. إنّ دانيال إذ كان رئيساً لوزراء مملكة بابل كان نبياً ليهوه يقتبل نور الوحي الإلهي. إنّ الساسة العالميين الطموحين مصوّرون في كلمة يهوه كالعشب الذي ينمو وزهر العشب الذي يذبل. ومع ذلك فالسيد يريد أن يكون في خدمته رجال أذكياء, رجال مؤهلون لمختلف فروع العمل. فتوجد حاجة إلي رجال أعمال يدخلون مباديء الحق السامية في كل صفقاتهم وأعمالهم. ويجب أن تكمل مواهبهم بأكمل درس وتدريب. فإذا احتاج الناس في أيّ فرع من فروع العمل أن يستثمروا الفرص المعطاة لهم ليصيروا حكماء وكفاة فإنّما هم الذين يستخدمون مقدرتهم في بناء ملكوت يهوه في عالمنا. وإننّا نعرف عن دانيال انّه في كلّ أعماله ومشاريعه عندما فُحِصَ فحصاً دقيقاً جدّا لم يوجد خطأُُ ولا عيب. لقد كان نموذجاً لما يمكن أن يكون كل رجل أعمال. إن تاريخه يرينا ما يمكن أن يتمّ بواسطة رجل يكرّس قوى عقله وجسمه وعضلاته وقلبه وحياته لخدمة يهوه.

المال

ثم إنّ يهوه يستودع المال لدى الناس. فهو يعطيهم قدرة لاصطناع الثروة. هو يروي الأرض بندى السماء وبسيول المطر المنعشة. وهو يمنح النور الذي يملأ الأرض دفئاً محييا أشياء الطبيعة وجاعلاً إياها تزدهر وتثمر. وهو ينتظر أن نعطيه تعويضاً مما له.

أموالنا لم تُعطَ لنا لكي نكرم بها ذواتنا ونمجّدها. إنما علينا كوكلاء أمناء أن نستخدمَها في إكرام يهوه وتمجيـِده. البعض يظنّون أن ما يخص يهوه هو جزء صغير من مالهم. فبعدما يفرزون جزءا منه للأغراض الدينية والخيرية يعتبرون أنّ الباقي هو ملكهم لينفقوه في ما يروق لهم. ولكنّهم في هذا مخطئون. فكل ما نملكه هو للسيد ونحن مسؤولون أمامه عن كيف نتصرّف فيه. فعند صرف كلّ قرش سيُرى ما إذا كنا نحب يهوه من كل القلب ونحب القريب كالنفس أم لا.

إنّ المال قيمة عظيمة لأنه يمكنه أن يصنع خيرا عظيما. والمال إذ يكون في أيدي أولاد يهوه يصير طعاما للجياع وماء للعطاش وكساء للعراة. وهو حِمى للمظلومين ووسيلة لمعونة المرضى. ولكن المال لن تكون له قيمة اعظم من الرمال إلا إذا استُخدم في تدبير لوازم الحياة وجلب البركة للآخرين وتقدّم ملكوت المسيا.

والمال المخزون لا يكون فقط عديم النفع بل هو لعنة. فهو في الحياة الحاضرة شرك للنفس إذ يبعد عواطف الناس بعيداً عن الكنز السماوي. وفي يوم يهوه العظيم تكون الشهادة عن الوزنات التي لم تستعمل والفرص المهملة سببا في إدانة صاحبه. فالكتاب يقول: (( هلم الآن أيها الأغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة. غناكم قد تهرأ وثيابكم قد أكلها العث. ذهبكم وفضتكم قد صدئاً وصداهما يكون شهادة عليكم ويأكل لحومكم كنار. قد كنزتم في الأيام الأخيرة. هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ وصياح الحصادين قد دخل إلى أذني يهوه إله الجنود )) (يعقوب 5: 1-4).

ولكن المسيا لا يُقرّ الإسراف أو الإهمال في استخدام المال. إن قول المسيا: (( اجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شيء )) (يوحنا 6: 12) موجّه لكل تلاميذه. فالذي يدرك أنّ أمواله هي وزنة معطاة له من يهوه لابد أن يستخدمها بكلّ حرص وتدبير, ويحسّ أنّ الواجب يقتضيه لأن يوفّر لكي يعطي.

كلّما أسرفنا في إنفاق مالنا في المظاهرة وتدليل الذات كلّما قلّ ما نقدمه لإشباع الجياع وكساء العراة. فكل قرش ينفق دون داعٍ يُحرَمُ من ينفقه فرصةً ذهبيةً لعمل الخير. إنّ هذا سلب لكرامة يهوه ومجده اللذين يجب أن يُقدّما له عن طريق استثمار وزناته المُسَلّمَةَ لنا.

بواعث وعواطف الرفق

إنّ عواطف الإشفاق والبواعث الكريمة والإدراك السريع للروحيات هي وزنات ثمينة وتضع على عـاتق صاحبها مسؤولياتٍ جسيمةً. فيجب أن تُستخدم هذه كلُّها في خدمة يهوه. ولكن كثيرين يخطئون هنا. فإذ يقنعون بامتلاك هذه الصفات يُخفقون في استخدامها في خدمة الآخرين. وهم يخدعون أنفسهم بالقول إنّه لو كانت لديهم فرصة، ولو كانت الظروف مواتية لكانوا يعملون عملا عظيما صالحا. ولكنّهم ينتظرون الفرصة، إنّهم يحتقرون بخل البخيل المسكين الذي يتبرم لو أعطى أقل القليل من ماله للفقراء وهم يرون أنّه عائش لنفسه وانه مســؤول عن وزناتِه التي قد أساء استخدامها. وبرضى وسرور عظيمين يقارنون بين أنفسهم وبين مثل أولئك الناس الضـيّقي العقـول ويحسّون أنّ حـالـتهم أفضـل بكثير من جـيرانهم ذوي النفوس الوضيعة. ولكنّهم يخدعون أنفسهم. إنّ مجرد امتلاكهم للصفات التي لم تُستعمل يزيد من مسئؤوليتهم. فالذين عندهم عواطف متسعة هم تحت التزام ليهوه لأن يمنحـوها ليس فقط لأصـدقائهم بل أيضــا لمن هم بحــاجة إلى معونتهم. والمـيزات الاجتماعية هي أيضا وزنات ويجب اسـتخدامها لخير كل من هم في دائرة نفـوذهم. فالمحبة التي تقدم الرحمـة لجمـاعة قليلة ليسـت محـبة ولكنها أنانيـة. ولن تعمـل بأي حال لخير النفوس أو تمجيد يهوه. فالذين يتركـون وزنات سـيدهم دون أن يسـتثمروها ذنبهم أعظـم ممّن يضمــرون لهم الاحتقار. وسيقال لهم: لقد عرفتم إرادة سـيدكم ولكنكم لم تعملوها.

الوزنات تتضاعف بالاستخدام

إنّ الوزنات إذا استُخدمت لابدّ أن تتضاعف. النجاح لا يأتي نتيجة الصدفة أو بالقضاء والقدر, ولكنّه يأتي نتيجة لعمل عناية يهوه, وهو مكافأة الإيمان والفطنة والفضيلة والسعي بمثابرة. إنّ السيد يريدنا أن نستعمل كلّ هبة عندنا فمتي فعلنا هذا فستُعطى لنا هبات اعظم لنستعملها. إنّه لا يمنحنا مؤهلات ليست عندنا بطريقة خارقة للطبيعة، بل في حين نستخدم ما عندنا يعمل السيد معنا في زيادة كلّ كفاءة وتقويتها. ففي كلّ مرِّة نقدم على تضحية بكلّ قلوبنا وبغيرة لأجل خدمة السيد تزيد قوانا. وحين نقدّم ذواتنا آلات لعمل الروح القدس فإن نعمة يهوه تعمل فينا لتنكر اميالنا القديمة ولننتصر على نزعاتنا القوية ونكوّن لأنفسنا عادات جديدة. وإذ نراعي دوافع الروح ونطيعها فان قلوبنا تتّسع لقبول المزيد من قوته وللقيام بعمل اكثر وافضل. والقوى الهاجعة تستيقظ والقوى العاجزة تحصل على حياة جديدة.

الخادم المتواضع الذي بكل إذعان يستجيب لدعوة يهوه له يتأكد من الحصول على مساعدة إلهية. فكون الإنسان يقبل مثل هذه المسؤولية العظيمة المقدسة هو في ذاته يسمو بالخلق. وهو يعبيء للعمل أسمى قوى العقل والروح ويقوي العقل ويطهرهما. وعن طريق الإيمان بقوة يهوه هو عجيب حقا كيف يصير الإنسان الضعيف قويا وكيف تصير مساعيه ثابتة ومثمرة لنتائج عظيمة. فالذي يبدأ بقليل من المعرفة بكيفية متواضعة ويخبر الناس بما يعرفه ففي حين يطلب باجتهاد مزيدا من المعرفة سيجد أنّ كل كنز السماء ينتظر طلبه. وكلما حاول أن يعطي النور للغير كلما حصل على مزيد من النور. وكلما حاول الإنسان أن يشرح كلمة يهوه للآخرين مع المحبة للنفوس كلما وضحت له. فكلما استخدمنا معرفتنا ودرّبنا قوانا كلما حصلنا على مزيد من المعرفة والقوة.

كل مسعى نبذله لأجل المسيا سيكون له ردّ فعل من البركة علينا. فإن استخدمنا أموالنا لأجل مجده فسيعطينا أكثر ممّا قدمنا. وإذ نحاول أن نربح الآخرين للمسيا مثقلين بمسؤولية النفوس في صلواتنا فإن قلوبنا تختلج بقوة نعمة يهوه المحيية, وعواطفنا ستتوهج بمزيد من الغيرة الإلهية، وحياتنا المسيحية بجملتها ستصير حقيقية أكثر وأكثر غيرةً وأكثر صلاة.

قيمة الإنسان تُقدّر في السماء بنسبة اتساع القلب لمعرفة يهوه. فهذه المعرفة هي النبع الذي تفيض منه كل قوة الفكر الإلهي, وهو يحاول دائما أن يجعل عقل الإنسان في شركة مع فكر يهوه. إنّه يقدم لنا امتياز التعاون مع المسيا في إعلان نعمته للعالم حتى نحصل على مزيد من معرفة الأمور السماوية. وإذ ننظر إليه نتغيّر. فالصلاح ومحبتنا لبني جنسنا يصيران غريزة طبيعية فينا. وتنمو فينا صفات مماثلة لصفات يهوه. فإذ ننمو في التشبّه به تتسع مقدرتنا لمعرفة يهوه. ثم نتدرج أكثر فأكثر لتصير لنا شركة مع العالم السماوي وتصير لنا قوة متزايدة دائمة لقبول غنى معرفة الأبدية وحكمتها.

الوزنة الواحدة

إنّ الرجل الذي أخذ الوزنة الواحدة: (( مضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده )) (متى 25 : 18).

فالذي أخذ أصغر عطية ترك وزنته دون أن يستثمرها. في هذا يُقدَّم إنذار لكل من يشعرون بانّ قلّة الهبات المعطاة لهم تعفيهم من خدمة المسيا. فلو أمكنهم أن يعملوا عملا عظيما فبأي سرور كانوا يباشرونه, ولكن لأنهم لا يستطيعون أن يقوموا إلاّ بالخدمات الصغيرة فهم يظنون أنّ لهم الحق في ألاّ يفعلوا شيئا. ولكنهم مخطئون في هذا. فالسيد وهو يوزع العطايا إنما يختبر الخلق. فالرجل الذي أهمل في تشغيل وزنته برهن على انّه عبدُُ غير أمين. فلو أخذ خمس وزنات لكان يخفيها كما فعل بالوزنة الواحدة. فسوء استخدامه للوزنة الواحدة برهن على أنّه يحتقر هبات السماء.

(( الأمين في القليل أمين أيضا في الكثير ))(لوقا 16: 10). إنّ أهمية الأمور الصغيرة تُحتقر غالبا لأنها صغيرة ولكنها تُقدم كثيرا من التدريب الفعلي في الحياة. وفي الحق أنّه لا توجد أشياء غير جوهرية في الحياة المسيحية. إنّ بناء خلُقنا يتعرّض لمخاطر كثيرة حينما نبخس الأشياء الصغيرة أهميتَها.

(( الظالم في القليل ظالم أيضا في الكثير )) (لوقا 16: 10), إنّ الإنسان إذ لا يكون أمينا حتى في أصغر الواجبات يسلب خالقَه الخدمة التي هي من حقه. إنّ عدم الأمانة هذه لها ردّ فعل على الإنسان نفسه. فهو يخفق في نوال النعمة والقدرة وقوة الخلق التي يمكن الحصول عليها بواسطة الخضوع ليهوه في غير تحفّظ فإذ يعيش بعيدا عن المسيا يتعرّض لتجارب الشيطان ويرتكب أخطاء في خدمته للسيد. فلكونه لا يسترشد بالمباديء السليمة في الأمور الصغيرة فهو لا يستطيع أن يطيع يهوه في الأمور العظيمة التي يعتبرها عمله الخاص. فالنقائص التي يحتضنها في تصرّفه بالنسبة إلى التفاصيل الصغيرة تتغلغل في أهم الشؤون. فهو يتصرّف بموجب المباديء التي قد عوّد نفسه عليها, وهكذا إذ تتكرر الأعمال تكوّن العادات, والعادات تكوّن الخلُق وبواسطة الخلُق يتقرّر مصيرنا في الحياة الحاضرة والأبدية.

إنّما فقط بالأمانة في صغائر الأمور يمكن للنفس أن تتدرب علي أن تعمل بولاء وأمانة أمام المسؤوليات الجسام. لقد جعل يهوه دانيال ورفاقه يعاشرون عظماء بابل ويحتكون بهم حتى يتعرّف هؤلاء الوثنيون على مباديء الدين الحقيقي. ففي وسط أمة أهلها يعبدون الأوثان كان على دانيال أن يمثّل صفات يهوه. ولكن كيف تسنّى له أن يؤهَّل لمثل ذلك المنصب ذي الثقة والكرامة العظيمين؟ إنّ أمانته في الأشياء الصغيرة هي التي شكلت حياته كلها. لقد أكرم يهوه في اصغر الواجبات فتعاون السيد معه. ولقد أعطى يهوه لدانيال ورفاقه (( معرفة وعقلا في كل كتابة وحكمة. وكان دانيال فهيما بكل الرؤى والأحلام )) (دانيال 1: 17).

وكما دعا يهوه دانيال ليشهد له في بابل كذلك هو يدعونا لنكون شهوده في العالم اليوم. ففي أصغر شؤون الحياة كما في أعظمها هو يريدنا أن نعلن للناس مباديء ملكوته.

والمسيا في حياته علي الأرض علّم الناس درس الاهتمام الحريص بالأمور الصغيرة. فعمل الفداء العظيم أثقل نفسَه على الدوام. فإذ كان يعلّم ويشفي أجهد عقلَه وجسمَه إلي أبعد حدود الإجهاد، ومع ذلك فلم تغِبْ عن انتباهه ابسطُ الأمور في الحياة وفي الطبيعة. واعظم دروسه التعليمية كانت هي تلك التي فيها شرح حقائق ملكوت يهوه العظيمة بواسطة أشياء الطبيعة البسيطة. وهو لم يغفل حاجاتِ أحقرِ عبيده. فلقد سمعت إذنُه كلَّ صرخة محتاج. لقد كان واعيا إذ أحسّ بلمسة المرأة المريضة في زحمة الجموع. فأضعف لمسةٍ من لمسات الإيمان وجدت استجابة. وعندما أقام ابنة يايرس من الأموات ذكّر أبويها أنّها ينبغي أن تُعطى شيئا تأكله. وعندما قام من القبر بقوته العظيمة لم يترفّع عن أن يلف الاكفان التي كان ملفوفا فيها ويضعها بحرص في مكانها المناسب.

إنّ العمل الذي نحن مدعوون للقيام به كمسيحيين هو أن نتعاون مع المسيا لأجل خلاص النفوس. لقد دخلنا في عهد معه علي القيام بهذا العمل. فإهمالنا العمل هو برهان على خيانتنا للمسيا. ولكن لكي نتمم هذا العمل علينا أن نتبع مثاله في الاهتمام الأمين وبضمير حيّ بالأمور الصغيرة. هذا هو سرّ النجاح في كل فرع من فروع المجهود والتأثير المسيحي.

إنّ السيد يريد أن يصلَ شعبُه إلى أعلى درجات السلم حتى يمجدوه بامتلاكهم للمقدرة التي يرغب في منحها لهم. وبواسطة نعمة يهوه قد أُعِدّت كل مؤونة لأجلنا لنعلن أننا نسلك بموجب خطط أفضل من خطط العالم. علينا أن نبرهن على تفوقنا في الذكاء والفهم والمهارة والمعرفة لأننا نؤمن بيهوه وبقدرته على أن يؤثر في قلوب الناس.

ولكن لا حاجة لمن لا يملكون هبات كثيرة وعظيمة أن يفشلوا. بل ليستخدموا ما لديهم بأمانة متحفظين من كل نقط الضعف في أخلاقهم مجتهدين بنعمة يهوه في تقويتها. إنّ كل عمل من أعمال الحياة يجب أن ندخل فيه عنصر الأمانة والولاء إذ نغرس في نفوسنا السجايا التي تعيننا على إنجاز العمل.

وينبغي الانتصار على عادات الإهمال بعزم ثابت. كثيرون يظنون أنّ حجة النسيان  هي عذر كافٍ عن أشنع الأخطاء. ولكن ألا يملكون قوى عقلية كغيرهم من الناس: إذا فعليهم أن يدربوا عقولهم على حفظ ما يلقى عليها وتذكره. إنّ النسيان والإهمال كلاهما خطية. فإذا كونت في نفسك عادة الإهمال فقد تهمل خلاص نفسك وأخيرا تجد انك غير مستعد لملكوت يهوه.

ويجب إدخال الحقائق العظيمة في الأشياء الصغيرة. ومن اللازم إدخال الدين العملي إلي أحقر واجبات الحياة اليومية. وأعظم مؤهل يمكن أن يحصل عليه أي إنسان هو أن يطيع كلمة يهوه بثقة تامة.

إن كثيرين من الناس يشعرون أن حياتهم عديمة النفع لكونهم غير مرتبطين بعمل ديني مباشر, وانهم لا يفعلون شيئا لأجل تقدّم ملكوت يهوه. ولكن هذا خطأ. فإذا كان عملهم مما يجب أن يقوم به أحد فينبغي أن لا يتّهموا أنفسهم بعدم نفعهم في أسرة يهوه العظيمة. ويجب ألاّ يتجاهل أحد أحقر الواجبات. إنّ أي عمل شريف هو بركة والأمانة فيه قد تكون تدريبا بموجبه يؤتمن الإنسان على ودائع أسمى.

إنّ أي عمل يُعمل لأجل يهوه بتسليم كامل للذات فمهما يكن وضيعا هو مقبول لديه كأسمى خدمة. وأية تقدمة ليست صغيرة ما دامت مقدمة بخلوص القلب وفرح النفس.

وأينما نكون فالمسيا يأمرنا بأن نأخذ على عاتقنا الواجب الذي يُقدّم لنا. فان كان هذا الواجب في البيت خذه بكل رضى وغيرة لتجعل البيت مكانا سعيدا. فإن كنتِ أمّا ربّي أولادك للمسيا. هذا هو في الواقع عمل يهوه كعمل الخادم في المنبر. فإن كان عملكِ في المطبخ فاجتهدي أن تكوني طاهيةً ممتازةً. أعدّي الطعام الصحّي المغذي الشهي, وفيما أنت تستعملين أفضل المواد الغذائية في إعداد الطعام تذكري انّك يجب أن تغذي عقلك بأفضل الأفكار. وإذا كان عملكَ حرثُ الأرض أو الاشتغال في أيّة تجارة أو حرفة أخرى فاجعل عملَك الحاضرَ ناجحا. واشغل عقلك فيما أنت صانع. ففي كل عملك مثّل المسيا واعمل ما كان يعمله لو كان في مكانك.

مهما تكن وزنتك صغيرة فإن عند يهوه مكانا لها. فتلك الوزنة الواحدة لو استُخدمت بحكمة سيُتمَّم عملُها المرتب لها. فبواسطة الأمانة في الواجبات الصغيرة علينا أن نعملَ بموجب خطّة الزيادة ويهوه سيعمل لأجلنا بموجب خطة التكاثر أو المضاعفة. فهذه الأشياء الصغيرة ستصير اثمن المؤثرات في عمله.

ليجرِ الإيمان الحي كخيطٍ من ذهب في إتمام حتى أصغر الواجبات. وحينئذ فكلّ العمل اليومي سيساعد على النمو المسيحي. وسينظر المؤمن علي الدوام إلى يهوشوه. فالمحبة له ستضفي على كل عمل يُعمل قوة حيوية. وهكذا فعن طريق الاستخدام الصائب لوزناتنا يمكننا أن نربط أنفسنا بالعالم الاسمي بسلسلة ذهبية. هذا هو التقديس الحقيقي لان التقديس ينحصر في إتمامنا لواجباتنا اليومية بفرح في طاعة كاملة لإرادة يهوه.

ولكنّ كثيرين من المسيحيين مازالوا ينتظرون أن يُسند إليهم عملُُ عظيم ليعملوه. فلكونهم لا يستطيعون أن يجدوا مكانا واسعا بالكفاية ليشبع طموحهم فهم يفشلون في إنجاز واجبات الحياة العادية بأمانة. فهذه يبدو أنّها غير ملذة في نظرهم. ويوما بعد يوم هم يفلتون الفرص لإظهار أمانتهم ليهوه. وفي حين أنّهم ينتظرون عملا عظيما تمضي الحياة دون أن تتم أغراضها ودون أن يكمل عملها.

إرجاع الوزنات

(( وبعد زمان طويل أتى سيد أولئك العبيد وحاسبهم )) (متى 25 : 19). عندما يحاسب السيد عبيده فلا بد من فحص مقدار ما ربحته كل وزنة. فالعمل الذي عمل يكشف عن صفات العامل.

فالذين أخذوا الخمس وزنات والوزنتين يرجعون إلى السيد الهبات المودعة عندهم مضافا إليها الربح. فإذ عملوا هذا لا يدّعون أي استحقاق في ذواتهم. فوزناتهم هي التي سُلّمت لهم، وقد ربحوا وزنات أخري، ولكن لولا الوديعة التي أعطيت لهم لما كان هنالك ربح. فهم يرون انّهم لم يعملوا أكثر من واجبهم. فرأس المال هو للسيد والربح له كذلك. فلو لم يمنحهم المخلص محبته ونعمته لكانوا يصيرون مفلسين مدى الأبدية.

ولكن عندما يأخذ السيد الوزنات يمتدح الخدام ويكافئهم كما لو كان الفضل كلّه لهم. إنّ وجهه ممتليء بالفرح والرضى. إنه ممتليء القلب بالبهجة لأنه يمكنه أن يمنحهم هباتـِه. وهو يكافئهم على كل خدمة وكل تضحية لا كأنّه دين هو مدين لهم به بل لأنّ قلبه فائض بالحب والحنان.

وها هو يقول: (( نعمّا أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينا في القليل فأقيمك على الكثير. ادخل إلى فرح سيدك )) (متى 25: 21و23).

فالأمانة والولاء ليهوه وخدمة المحبة هي التي تظفر برضى يهوه واستحسانه. فكل وازع يقود به الروح القدس الإنسان إلى الصلاح وإلى يهوه يُسجّل في أسفار السماء, وفي يوم يهوه سيمتدَح الخدام الذين عمل بواسطتهم.

وسيدخلون إلى فرح سيدهم إذ يرون في ملكوته من قد افتدوا بواسطتهم. وسيُعطى لهم امتيازُ مشاركته في عمله هناك حيث قد ظفروا بالأهلية لذلك بمشاركتهم في عمله هنا. ما سنكون في السماء هو انعكاس لما نحن عليه الآن في الحق والخدمة المقدسة. لقد قال المسيا عن نفسه: (( ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدِم )) (متى 20: 28). فعمله هذا على الأرض هو عمله في السماء. ومكافأتنا على خدمتنا للمسيا في هذا العالم هي قوة أعظم  وامتياز أكبر للخدمة معه في العالم الآتي.

ثم جاء أيضا الذي أخذ الوزنة الواحدة وقال (( يا سيد عرفت أنّك إنسان قاسٍ تحصد حيث لم تزرع وتجمع من حيث لم تبذر. فخفت ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض. هوذا الذي لك )) (متى 25 : 24و25).

وهكذا يعتذر الناس عن إهمالهم لهبات يهوه. فهم ينظرون إلى يهوه على أنّه سيد قاسٍ وطاغيةُُ متجبر, وكأنه يتجسس على أخطائهم ويفتقدهم بأحكامه ويتهمونه بأنّه يفرض عليهم ما لم يعطِه لهم إذ يحصدّ ما لم يزرع.

يوجد كثيرون يتّهمون يهوه في قلوبهم بأنّه سيدُُ قاسٍ لكونه يطالبهم بأموالهم وخدمتهم، ولكننا لا نستطيع أن نقدّم ليهوه شيئاً لم يكن في الأصل ملكه. فلقد قال الملك داود: (( لأن منك الجميع ومن يدك أعطيناك )) (1اخبار 29: 14). فكل شيء هو ملك يهوه ليس فقط بحق الخلق بل أيضا بحق الفداء. فكل بركات هذه الحياة والحياة العتيدة تسلّم لنا مختومة بصليب جلجثة. إذاً فالتهمة الموجهة إلى يهوه بأنّه سيدُُ قاسٍ يحصد حيث لم يزرع هي تهمة مكذوبة.

والسيد لا ينكر تهمة ذلك العبد الشرير مع أنّها تهمة ظالمة، ولكن إذ يواجهه على مستواه يريه أن لا عذر له في تصرفه. لقد أعدت له السبل والوسائل التي كان يمكن بواسطتها أن تُستَثمَر الوزنة فيربح صاحبها. فقال له : (( فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة. فعند مجيئي كنت أخذ الذي لي مع ربا )) (متى 25: 27).

إنّ أبانا السماوي لا يطلب منا أكثر أو أقل مما قد أعطانا القدرة على عمله. وهو لا يحمّل عبيده أحمالا أثقل من أن يقووا علي حملها : (( لأنّه يعرف جبلتنا يذكر أننا تراب نحن  )) (مزمور 103: 14). فبواسطة النعمة الإلهية يمكننا أن نقدم له كل ما يطلبه منا.

(( كل من أُعطِيَ كثيرا يُطلب منه كثير )) (لوقا 12: 48). فكل فرد منا سيكون مسؤولا عن التقصير في عمل أقل القليل ولو كان حرفاً واحداً أقل مما نستطيع أن نعمله. إنّ السيد يقيس بكل ضبط وتدقيق كل إمكانيات الخدمة والإمكانيات التي لم تُستخدم سيحاسب الناس عليها كالتي استثمرت. ويهوه سيعتبرنا مسؤولين عن كل ما كان يمكننا أن نصل إليه عن طريق الاستخدام الصائب لوزناتنا. وسندان بحسب ما كان ينبغي لنا أن نفعله ولم نعمله لأننا لم نستخدم قوانا لتمجيد يهوه. وحتى إذا لم نخسر نفوسنا فسنتحقق في الأبدية نتيجة عدم استثمار وزناتنا. وستكون هنالك خسارة أبدية لكل المعرفة والمقدرة التي كان يمكننا أن نكتسبها ولكننا لم نفعل.

ولكن عندما نسلم ذواتنا بالتمام ليهوه وفي عملنا نتبع تعليماته فهل سيعتبر نفسه مسؤولا عن إتمامه. وهو لا يريدنا أن نخمن عن نجاح مساعينا الأمينة. وينبغي لنا ألاّ نفكر في الفشل مرة واحدة. فعلينا أن نتعاون مع ذاك الذي لا يعرف الفشل.

وينبغي لنا ألاّ نتحدث عن ضعفنا وعجزنا. فهذا شكّ واضح في يهوه وإنكار لكلمته. فعندما نتذمّر بسبب أعبائنا أو نرفض الاضطلاع بالمسؤوليات التي يدعونا لحملها فنحن في الواقع نقول عنه انّه سيد صارم وأنه يطلب منا عمل ما لم يعطنا قوة لنعمله.

إننا في غالب الأحيان ميّالون لأن ندعو روح العبد الكسلان وداعة. ولكن الوداعة الحقيقية تختلف عن ذلك اختلافا كبيراً. إنّ كوننا نتسربل بالوداعة لا يعني أننا نكون أقزاما في أذهاننا أو ناقصين في أشواقنا أو جبناء في حياتنا، فنهرب من الأحمال لئلا نفشل في حملها بنجاح. أمّا الوداعة الحقة فتتمّم أغراض يهوه بالاعتماد علي قوته.

إنّ يهوه يعمل بواسطة من يريده. وهو أحيانا يختار أحقر أداة للقيام بأعظم عمل لأن قدرته تستعلن وتظهر بواسطة ضعف الناس. إنّ لنا مقياسنا وبموجبه نحكم علي شيء أنّه عظيم وعلى شيءٍ آخر أنّه صغير، ولكن تقدير يهوه ليس بموجب قوانيننا. وينبغي ألاّ نظنّ أن ما هو عظيم في نظرنا ينبغي أن يكون عظيما في نظر يهوه، أو أنّ ما هو عظيم في نظرنا ينبغي أن يكون كذلك في نظره. وليس لنا نحن أن نحكم على وزناتنا أو نختار عملنا. بل علينا أن نحمل الأحمال التي يعّينها يهوه، فنحملها لأجله ونذهب إليه دائما في طلب الراحة. ومهما يكن نوع عملنا فيهوه يتمجّد بالخدمة المخلصة الفرحة. وهو يسرّ عندما نقوم بواجباتنا بشكر فرحين لكوننا قد حُسِبنا مستأهلين لأن نكون شركاءه في العمل.

الوزنة تؤخذ

وهذا هو الحكم الذي صدر على العبد الكسلان:(( خذوا منه الوزنة وأعطوها للذي له العشر وزنات )) (متى 25: 28). وهنا كما في مجازاة العامل الأمين يتبين ليس فقط الجزاء للدينونة الأخيرة بل عملية الجزاء التدريجية في هذه الحياة. وكما في العالم الطبيعي كذلك في العالم الروحي كل قوة لا تُستخدم تنتهي إلي الضعَف والانحلالُ. إنّ النشاط هو قانون الحياة بينما الكسل هو الموت : (( لكل واحد يُعطى إظهار الروح للمنفعة )) (1كورنثوس 12: 7). فإذ يستخدم الإنسان مواهبه ليبارك الآخرين فإنها تتكاثر وتزيد. أمّا إذا حبسها لخدمة الذات فهي تنقص وتُسحب أخيراً. فالذي يرفض أن يوزع ممّا أعُطيَ له سيجد في النهاية أنّه لا يملك شيئاً يعطيه. إنّه يوافق على مجرى لابد وأن يعجز قوى النفس ويدمّرها في النهاية.

لا يظنن أحد أنه يمكنه أن يحيا حياة الأنانية وحينئذ بعدما يخدم مصالحه الخاصة يدخل إلى فرح سيده. إنّهم لا يمكنهم أن يشتركوا في فرح المحبّة المنكرة لذاتها. إنّهم لا يكونون مؤهلين للمواطن السماوية. ولا يمكنهم أن يقدروا جو المحبة النقي الذي يعم السماء. وأصوات الملائكة وموسيقى قيثاراتهم لن ترضيهم. وعلم السماء يبدو لعقولهم لغزا يستعصي عليهم فهمه.

وفي يوم الدينونة العظيم. كل من لم يخدموا المسيا الذين انجرفوا مع التيار ولم يحملوا مسؤولية وكانوا يفكرون في أنفسهم وفي إرضاء ذواتهم سيوقفهم ديّان كل الأرض مع فاعلي الشر وستقع عليهم نفس دينونتهم.

كثيرون ممّن يدّعون انّهم مسيحيون يهملون مطاليب يهوه ومع ذلك لا يحسّون أنّ في هذا أيّ خطأ. إنّهم يعرفون أنّ المجدّف والقاتل والزاني يستحقّون العقاب. أمّا بالنسبة إليهم فهم يستمتعون بالخدمات الدينية. إنّهم يحبون سماع الكرازة بالإنجيل ولذلك يظنّون أنفسهم مسيحيين. ومع إنّهم قضوا حياتهم في الاهتمام بأنفسهم فإنّهم سيستغربون كما استغرب العبد غير الأمين المذكور في المثل عندما سمع الحكم القائل: خذوا منه الوزنة. وكاليهود يخلطون بين التمتع ببركاتهم وواجبهم في استخدامها.

وكثيرون ممن يستعفون من القيام بمسعى مسيحي يعتذرون بعجزهم عن العمل. ولكن هل جعلهم يهوه عاجزين بهذا المقدار؟ كلاّ أبدا. فهذا العجز قد حدث بسبب كسلهم وقد دام بسبب اختيارهم المتعمّد. ففي خلُقهم قد تحقّقوا نتيجة الحكم القائل: خذوا منه الوزنة. إنّ سوء استخدامهم المستمر لوزناتهم لابدّ أن يُطفيء أمامهم الروح القدس الذي هو النور الوحيد. وإنّ الحكم القائل: (( العبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية )) (متى 25: 30) يضع ختم السماء على الاختيار الذي اختاروه لأنفسهم مدى الأبدية.

 

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
11
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
16
Calendar App