7. مَن هُو قريـبـي؟
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إنّ هذا السؤال القائل: (( من هو قريبي؟ )) كان مثار كثير من الجدل الذي لا ينتهي بين اليهود. لم يكن عندهم شكّ بالنسبة إلى الوثنيين والسامريين. فهؤلاء كانوا غرباء وأعداء. ولكن أين يوضع الحدّ الفاصل بين شعب أمتهم وبين طبقات المجتمع المختلفة؟ ومن هو الذي يجب أن يعتبره الكاهن أو المعلم أو الشيخ قريبه؟ لقد قضوا حياتهم في ممارسة طقوس لا تنتهي لكي يجعلوا أنفسهم أنقياء. وقد علموا أن ملامستهم للجهال والمهملين من عامة الشعب تسبب لهم نجاسة تتطلب بذل جهد ممل ومتعب لإزالتها. وهل كان لهم أن يعتبروا (( النجسين )) أقرباء لهم؟

وقد أجاب المسيا على هذا السؤال في مثل السامري الصالح. فقد برهن أنّ قريبنا لا يعني مجرد أن يكون الإنسان فردا في الكنيسة التي ننتمي إليها أو العقيدة التي ندين بها. وكلمة قريب لا توجد فيها أي إشارة إلى الجنس أو اللون أو أي تمييز طبقي. ولكن قريبنا هو أيّ إنسان محتاج إلى معونتنا. قريبنا هو كل إنسان جرحه العدو وسحقه. قريبنا هو كل إنسان يخصّ يهوه.

والذي دعا إلى إيراد مثل السامري الصالح هو سؤال قدمه ناموسي إلى المسيا. ففيما كان المخلص يعلم (( إذا ناموسي قام يجرّبه قائلا يا معلم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ )) (لوقا 10 : 25). لقد اقترح الفريسيون هذا السؤال على الناموسي على أمل أن يوقعوا المسيا في شرك من كلامه فأصغوا إلى جوابه بكلّ شوق. لكنّ المخلص لم يشتبك في جدال مع أحد. فطلب من السائل أن يجيب بنفسه على سؤاله. فسأله قائلا: (( ما هو مكتوب في الناموس كيف تقرأ؟ )) (لوقا 10: 26). كان اليهود لا يزالون يتهمون يهوشوه بأنّه يستخفّ بالناموس المُعطى من سيناء ولكنّه حوّل السؤال عن الخلاص إلى حفظ وصايا يهوه.

فأجابه الناموسي قائلا: (( تحب يهوه إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كـل قــدرتك ومن كل فكـرك وقريبـك مثل نفسـك )) فقال له المسيا: (( بالصواب أجبت افعل هذا فتحيا )) (لوقا 10: 27و28).

إنّ الناموسي لم يكن راضياً عن موقف الفريسيين وأعمالهم. فقد كان يقرأ الكتب المقدسة وهو مشتاق لمعرفة معناها الحقيقي. كان مهتما اهتماما حيويا بالمسألة فسأل قائلا بإخلاص: ماذا أعمل؟ وفي جوابه عن مطاليب الناموس اغفل كل مجموعة الوصايا الطقسية والفرضية. فلم يدّعِ أنّ لهذه الأشياء أيّة قيمة بل قدّم المبدأين العظيمين اللذين يتعلق بهما الناموس كلّه والأنبياء. وإنّ مدح المسيا وثناءه على هذا الجواب وضع المسيا في مركز امتياز مع المعلمين. فلم يستطيعوا أن يدينوه على مصادقته على ما قدمه رجل هو مفسر للناموس.

قال له المسيا : (( أفعل هذا فتحيا )) (لوقا 10: 28). ففي تعليمه كان دائما يقدم الشريعة على أنّها وحدة إلهية مبينا انّه يستحيل على إنسان أن يحفظ وصية ويكسر أخرى لأنّ نفس المبدأ الواحد يسري فيهن جميعا. ومصير الإنسان يتقرر بموجب طاعته لكل الناموس.

ولقد عرف المسيا أنّه لا يستطيع إنسان أن يطيع الناموس بقوته. فأراد أن يُرشد الناموسي إلى بحث أوضح وأكثر دقة حتى يجد الحق. إننّا لا نستطيع أن نحفظ الناموس إلاّ إذا قبلنا فضيلةَ وقوى المسيا ونعمته. فالإيمان بالكفارة عن الخطية  يمكّن الإنسان الساقط من أن يحب يهوه من كل قلبه ويحب قريبه كنفسه.

وقد عرف الناموسي أنّه لم يحفظ الوصايا الأربع الأولى ولا الوصايا الأخرى. كان متبكّتا من أقوال المسيا الفاحصة, ولكن بدلا من الاعتراف بخطيّته حاول أن يتسامح معها. وبدلا من الاعتراف بالحق حاول أن يبرهن على مقدار صعوبة حفظ الوصية. وهكذا كان يرجو أن يتفادى الاقتناع ويبرّر نفسه في عيون الشعب. وأن كلام المسيا يبرهن على سؤال الرجل لم يكن ثمة ما يدعو إليه لانه كان قادرا على أن يجيب عليه بنفسه. ومع ذلك فقد قدم إليه سؤالا آخر قائلا: (( ومن هو قريبي؟ )) (لوقا 10: 29 ).

ومرّة أخري رفض المسيا الدخول في جدال. بل أجاب على السؤال بقصة حادثة وقعت وكانت ذكـراها لا تزال ماثلة في أذهان السـامعين. قال:(( إنسان كان نازلا من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوص فعروه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حيّ وميّت )) (لوقا 10: 30).

كان على المسافر من أورشليم إلى أريحا أن يعبر في جزء من بريّة يهوذا. وكان الطريق يفضي إلى وادٍ ضيق موحش صخري كان يكمن فيه اللصوص وكثيراً ما كانت تُرى فيه مشاهد العنف. ففي هذا المكان هوجم المسافر وعُرّي من كل ثيابه الغالية وتُرِك على جانب الطريق بين حيّ وميّت. وفيما كان مطروحا في حالته تلك عرض أن كاهنا نزل في تلك الطريق فرأي الرجل مطروحا جريحا ومرضّضا ومتمرّغا في دمه، ولكنه تركه ومضى دون أن يمدّ إليه يد الغوث بل (( جاز مقابله )) (لوقا 10: 31). ثم ظهر لاوي. فإذ دفعه فضوله لمعرفة ما قد حدث وقف ونظر إلى الرجل المتألم. وكان مقتنعا بما يجب عليه عمله ولكن ذلك الواجب لم يكن ممّا يروق له. وكان يتمنىّ لو لم يأت في ذلك الطريق حتى لا يرى ذلك الجريح. وقد اقنع نفسه بأن ليس له دخل في المسألة (( وجاز مقابله )) (لوقا 10: 32).

ولكنّ سامرياً مسافرا جاء في نفس الطريق ورأي المتألم وعمل ما تنحّى غيره عن عمله. فبكلّ رقة وحنان خدم الجريح: (( لما رآه تحنن فتقدم وضمد جراحاتِه وصب عليه زيتا وخمراً وأركبه على دابته وأتى به إلى فندق واعتني به وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له اعتن به ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك )) (لوقا 10: 33-35). كان كلّ من الكاهن واللاوي يدعي التقوى، ولكنّ السامري اظهر أنّه متجدد حقاً. كان ذلك العمل الذي قام به كريها لديه كما كان كريها لدى الكاهن واللاوي. ولكنّه برهن بروحه وعمله على أنه متوافق مع يهوه.

إنّ المسيا وهو يقدّم هذا الدرس قدّم مباديء الناموس بكيفية مباشرة وفعالة، مبينا لسامعيه أنّهم قد أهملوا في تنفيذ هذه المباديء. وكان كلامه محددا وسديدا بحيث لم يجد سامعوه فرصة للمماحكة. ولم يجد ذلك الناموسي في هذا الدرس شيئا يمكنه أن ينتقده. وقد زال تعصّبه ضد المسيا. ولكنه لم يكن قد انتصر على كراهيته القومية بحيث يذكر اسم السامري ممتدحا إياه. فعندما سأله المسيا قائلا: (( أي هؤلاء الثلاثة تُرى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص ؟ )) قال: (( الذي صنع معه الرحمة )) (لوقا 10: 36و 37).

قال له المسيا: (( اذهب أنت أيضا وأصنع هكذا )) (لوقا 10: 37). أي أظهر نفس الحنان والرقة لمن يحتاجونهما. وبهذا تبرهن على أنك تحفظ كل الناموس.

كان الخلاف العظيم بين اليهود والسامريين خلافا يتناول العقيدة الدينية، والسؤال عن ماذا يحدد العبادة الحقة. إنّ الفريسيين لم يريدوا أن يمتدحوا السامريين في شيء بل صبوا عليهم أمرّ لعناتهم. لقد كان النفور بين اليهود والسامريين على أشدّه حتى لقد بدا للمرأة السامرية أمراً غريبا أن يطلب منها المسيا جرعة ماء فقالت له: (( كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟ )) ثم أضاف البشير القول: (( لأن اليهود لا يعاملون السامريين ))(يوحنا 4: 9). وعندما امتلأت قلوب اليهود بالعداوة القاتلة للمسيا حتى قاموا ليرجموه في الهيكل لم يجدوا كلاما يعبرون به عن عداوتهم أفضل من قولهم: (( ألسنا نقول حسنا أنك سامري وبك شيطان؟ )) (يوحنا 8: 48). ومع ذلك فقد أهمل الكاهن واللاوي نفس العمل الذي قد أوصاهما السيَد به وفرضه عليهما في كونهما قد تركا سامريا مكروهاً ومحتقراً ليخدم أحد مواطنيهما.

لقد تمم السامري الوصية: تحب قريبك كنفسك وبهذا برهن على انّه أبرّ ممّن كانوا يشهّرون به. فإذ خاطر بحياته عامل الجريح معاملة الأخ لأخيه. إنّ هذا السامري يرمز إلي المسيا. إنّ مخلصنا قد أظهر  نحونا محبة لا يمكن أن تضارعها محبة للإنسان. فعندما كنا مسحوقين وأمواتا لا محالة تحنن علينا. إنّه لم يجُزْ مقابلنا تاركاً إيانا في حال العجز واليأس لنهلك. ولم يظلّ في مسكنه المقدس السعيد حيث كان يحبه جميع أجناد السماء. لقد رأي حاجتنا الشديدة الملحّة وأخذ قضيتنا وقرن مصالحه بمصالح الإنسانية. لقد مات لكي يخلص أعداءه. وصلّى لأجل قاتليه. وإذ يشير إلي مثاله يقول لتلاميذه : (( بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضاً, كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا )) (يوحنا 15: 17؛13: 34).

كان الكاهن واللاوي قد ذهبا للعبادة في الهيكل الذي كانت خدمته معينة من يهوه نفسه. وكان الاشتراك في تلك الخدمة امتيازا عظيما ومجيدا, وقد أحس الكاهن واللاوي انّه حيث قد أُكرما ذلك الإكرام فليس مما يليق بكرامتهما أن يقدما خدمة لإنسان غريب مُلقى على قارعة الطريق. وهكذا أهملا الفرصة الخاصة التي قدمها لهما يهوه كنائبين عنه في جلب البركة لأحد بني جنسهما.

وكثيرون يرتكبون نفس هذا الخطأ اليوم. فهم يقسمون واجباتهم إلي قسمين متميزين. فأحدهما يتكون من الأمور العظيمة التي تنظمها شريعة يهوه, أما القسم الآخر فيتكون مما يُسمى بالأمور الصغيرة التي فيها يتجاهلون الوصية القائلة: تحب قريبك كنفسك. ومحيط هذا العمل يترك لهوى الإنسان أو مزاجه ويخضع لميله وبواعثه. وهكذا يتشوّه الخلق ويساء تمثيل ديانة المسيا.

يوجد من يظنّون أنّ في خدمة الإنسانية المتألمة تحقيراً لكرامتهم. وكثيرون ينظرون إلى من قد جعلوا هيكل النفس خرابا باحتقار وغير اكتراث. وآخرون يهملون الفقراء مدفوعين بدافع مختلف. إنّهم يخدمون، حسب اعتقادهم، في عمل المسيا لكي يقيموا مشروعا مستحقا، فهم يحسّون بأنهم عاملون عملا عظيما ولا يستطيعون التوقف للنظر في احتياجات المعوزين والمتضايقين. ففي التقدم بعملهم الذي يظنون انه عظيم يظلمون المساكين ويسحقونهم. وقد يضعونهم في ظروف شاقة قاسية ويجردونهم من حقوقهم أو يهملون حاجاتهم. ومع ذلك فهم يحسّون بأنّ هذا كله مشروع لأنهم يعملون على تقدم عمل يهوه كما يظنّون.

وكثيرون يتركون أخا أو قريبا ليكافح ضدّ ظروف معاكسة دون أن يجد عونا من أحد. فلكونهم يعترفون بأنهم مسيحيون فهذا قد يجعله يظنّ أنّهم في أنانيتهم الفاترة يمثلون المسيا. فلأن من يعترفون بأنهم خدام السيَد غير متعاونين معه فإنّ محبة يهوه التي يجب أن تفيض منهم تتقطع بدرجة عظيمة ويحرم منها بنو جنسهم. ثم يمنع جانب كبير من الحمد والشكر من أن يرفع من القلوب والألسن البشرية الفائضة بهما إلى يهوه. فهو يسلب المجد اللائق لاسمه القدوس. وتُسلب منه النفوس التي قد مات المسيا لأجلها, النفوس التي يتوق للإتيان بها إلى ملكوته ليعيشوا في حضرته مدي دهور الأبد.

إنّ الحقّ الإلهي لا يُحدث إلاّ تأثيرا ضئيلا في العالم في حين كان يجب أن يُحدث تأثيرا عظيما بفضل ممارستنا إيّاه. إنّ مجرد الاعتراف بالديانة كثير, ولكنّ أكثرَه لا قيمة له. فيمكننا أن ندّعي أننا تلاميذ المسيا، وأن ندّعي بأننا نؤمن بكل حق وارد في كلمة يهوه. ولكن هذا لن يفيد أقرباءنا شيئا ما لم ننفّذ ما نعتقده في حياتنا اليومية. وقد يرتفع الاعتراف إلي عنان السماء، ولكنه لن يخلص نفوسنا أو بني جنسنا ما لم نكن مسيحيين بالحق. إنّ المثال الصالح يحقق منافع للعالم اكثر من كل اعترافنا.

الأعمال الأنانية لا يمكنها أبدا أن تخدم ملكوت يهوه. إنّ ملكوته هو ملكوت المظلومين والفقراء. ففي قلوب المعترفين بأنهم تلاميذه توجد حاجة إلى عطف المسيا الرقيق – ومحبة أعمق لمن قد قدرهم أعظم تقدير بحيث بذل نفسه لأجل خلاصهم. هذه النفوس غالية جدا, وأغلى بكثير من أية ذبيحة يمكننا أن نقدمها إلى يهوه. إنّ كوننا نبذل أعظم قوى نشاطنا لنجاح عمل يبدو عظيما في حين أننا نهمل المعوزين أو نصدّ الغريب عن أخذ حقه ليس خدمة يمكن أن تظفر برضى يهوه واستحسانه.

إنّ تقديس النفس بعمل الروح القدس هو غرس طبيعة المسيا في القلب البشري. إنّ دين الإنجيل هو المسيا في الحياة – وهو مبدأ حيّ عامل. إنّه نعمة المسيا الظاهرة في الخلق والمثمرة في الأعمال الصالحة. إنّ مباديء الإنجيل لا يمكن فصلها عن دائرة الحياة العملية. وكل فرع من فروع الاختبار والعمل المسيحي يجب أن يكون صورة تمثل حياة المسيا.

المحبة هي أساس التقوى. فمهما يكن نوع الاعتراف فلا يمكن أن يكون لإنسان محبة ظاهرة ليهوه ما لم يحب أخاه محبة خالية من الأنانية. ولكن لا يمكننا امتلاك هذه الروح بواسطة جهدنا في محبة الآخرين. فالذي نحتاجه هو محبة المسيا في القلب. فعندما تندمج الذات في المسيا فالمحبة تنبثق من تلقاء ذاتها. ويمكن بلوغ الكمال في الخلق المسيحي عندما ينبثق من الداخل الوازع على مساعدة الآخرين ومباركتهم بلا انقطاع وعندما يملأ القلبَ ضياءُ السماءِ ويظهر على الوجه.

إنّ القلب الذي يسكنه المسيا يستحيل عليه أن يكون خاليا من المحبة. فإذا أحببنا يهوه لأنّه هو أحبنا أولا فسنحب كل من قد مات المسيا لأجلهم. ولا يمكننا ملامسة اللاهوت دون أن نلامس الناسوت، لأن ذاك الجالس على عرش الكون فيه يتحد اللاهوت بالناسوت. فإذ نرتبط بالمسيا نرتبط ببني جنسنا بحلقات سلسلة المحبة الذهبية. حينئذ تظهر في حياتنا شفقة المسيا وحنانه. لن ننتظر حتى يؤتي إلينا بالمحتاجين والتعساء ولن نحتاج إلى أن يستعطفنا أحد لنحسّ ببلايا الآخرين. بل في خدمتنا للمحتاجين  والمتألمين ستكون أمرا طبيعيا بالنسبة إلينا كما كانت بالنسبة إلى المسيا حين كان يجول يصنع خيرا.

فأينما يوجد وازع للمحبة والعطف. وأينما يسعى القلب ليبارك الآخرين ويرفعهم هناك يعلن عمل روح يهوه القدوس. وفى أعماق الوثنية حدث أنّ أناسا لم يكونوا يعرفون شيئا عن شريعة يهوه المكتوبة, ولا سمعوا قط اسم المسيا كانوا لطفاء تجاه خدامه وحفظوهم مخاطرين في ذلك بحياتهم. فأعمالهم تلك ترينا عمل القوة الإلهية. لقد غرس الروح القدس نعمة المسيا في قلب الإنسان الوحشي محييا عواطفه على نقيض طبيعته وتربيته. (( النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيا إلى العالم )) (يوحنا 1: 9) ينير خفايا نفسه، وهذا النور إذا انتبه إليه سيقوّم قدميه إلى ملكوت يهوه.

إنّ مجد السماء هو في إقامة الساقطين وتعزية المحزونين المتضايقين. وأينما يسكن المسيا في القلوب فهو سيعلن بنفس هذه الطريقة . وديانة المسيا لابدّ أن تبارك أينما تعمل. وأينما تعمل فهناك الضياء والصفاء.

إنّ يهوه لا يعترف بأي تمييز من ناحية القومية أو الجنس أو الطبقات. فهو خالق كل الجنس البشرى فالجميع هم أفراد أسرة واحدة بالخلق والجميع واحد بالفداء. ولقد جاء المسيا لينقض كل حائط فاصل، وليفتح كل أقسام الهيكل لكي يمكن لكل نفس أن تقترب إلى يهوه بحرية. إنّ محبته عريضة جدا وعميقة جدا وكاملة جدا بحيث تنساب في كل مكان. وهي ترفع من دائرة الشيطان النفوس المسكينة التي قد انخدعت بتمويهاته وهي تضعها قرب عرش يهوه، العرش المحاط بقوس قزح الوعد.

(( وفي المسيا لا يهودي ولا يوناني ولا عبد ولا حر فالجميع صاروا قريبين بدم المسيا )) (غلاطية 3: 28: أفسس 2: 13).

فمهما يكن الاختلاف في العقيدة الدينية فإنّ النداء الصادر من الإنسانية المتألمة يجب أن يسمع ويجاب. وحيث يكون الشعور بالبغضة مراً بسبب الخلاف في الدين فيمكن عمل خير كثير بالخدمة الفردية. إنّ خدمة المحبة تحطم التعصّب وتهدمه وتربح نفوسا ليهوه.

ونحن يجب أن نتوقع الأحزان والصعوبات والاضطرابات من الآخرين. فيجب أن ندخل إلى أفراح وهموم العال والدون, الأغنياء والفقراء. وقد قال المسيا: (( مجانا أخذتم مجانا أعطوا )) (متى 10: 8). فكل من حولنا نفوس مسكينة مجرّبة وتحتاج إلى كلمات العطف وأعمال العون. فتوجد أرامل يحتجن إلى العطف والمساعدة. كما يوجد يتامى أمر المسيا تابعيه أن يقبلوهم كأمانة مسلمة لهم من يهوه. وفى أغلب الأحيان يمرّ الناس على هؤلاء ويهملونهم. وقد يكونون رثّي الثياب وخشني الطباع، ويبدو انهم منفردون في كل شيء، ولكنهم مع كل ذلك خاصة يهوه. لقد اشتروا بثمن، وهم أعزاء في نظره مثلنا تماما. وهم أفراد في أسرة يهوه العظيمة, المسيحيون كوكلاء ليهوه مسؤولون عنهم. وهو يقول: دمه من يدك أطلبه.

إنّ الخطية هي أعظم كل الشرور, وواجبنا أن نشفق على الخاطيء ونساعده. ولكن لا يمكن الوصول إلى الجميع بنفس الطريقة. فيوجد كثيرون ممن يخفون جوع أرواحهم. هؤلاء يمكن مساعدتهم مساعدة عظيمة بكلمة رقيقة أو ذكري مشفقة. ويوجد آخرون ممن هم في أشد الحاجة ومع هذا فهم لا يعرفون ذلك. فهم يدركون فاقة النفس المخيفة. وكثيرون قد غاصوا إلى أعماق الخطية بحيث قد أضاعوا الإحساس بالحقائق الأبدية, وأضاعوا صورة يهوه ولا يكادون يعرفون ما إذا كانت لهم نفوس يجب أن تخلص أم لا. فلا إيمان لهم بيهوه ولا ثقة بإنسان. كثيرون من هؤلاء يمكن الوصول إليهم فقط عن طريق أعمال الشفقة غير المغرضة. ويجب الاهتمام بسد حاجاتهم الجسدية أولا. فينبغي إطعامهم وتنظيفهم وإلباسهم لباس الحشمة فإذ يرون برهان محبتكم التي لا تعرف الأنانية فسيكون من السهل عليهم أن يؤمنوا بمحبة المسيا.

ويوجد كثيرون ممن يخطئون ويحسّون بخزيهم وعارهم. إنهم ينظرون إلى أخطائهم وغلطاتهم حتى ليكادون ينساقون مع تيار اليأس. فعلينا ألاّ نهمل هذه النفوس عندما يلتزم الإنسان أن يسبح عكس التيار، فكل قوة التيار تحاول أن تجرفه إلى الوراء. إذا فلتمتد إليه يد معينة كما قد امتدت يد الأخ الأكبر لإنقاذ بطرس من الغرق. حدّثه بكلام الرجاء، كلام يوطد ثقتَه ويوقظ محبتَه.

إنّ أخاك السقيم الروح يحتاج إليك كما قد احتجت أنت إلى محبة أخيك. إنّه يحتاج لأن يعرف اختبار إنسان في مثل ضعفه. ويمكنه أن يعطف عليه ويعينه. إنّ معرفتنا لضعفنا يجب أن تساعدنا على مساعدة إنسان آخر في حاجته المرة. فينبغي ألاّ نتجاوز أي إنسان متألم دون أن نحاول أن نقدم له التعزية التي نتعزّى بها من يهوه.

إنّ معاشرتنا للمسيا واتصالنا الشخصي بالمخلص الحيّ تمكنان العقل والقلب والنفس من الانتصار على الطبيعة الدنيا. أخبر الضال عن اليد المقتدرة التي ستسنده والإنسانية اللامتناهية في المسيا التي تعطف عليه. لا يكفيه أن يؤمن بالناموس والعنف – الأشياء التي لا ترفق ولا تسمع صرخة الاستنجاد. إنّه بحاجة إلى مصافحة يد دافئة, والثقة بقلب مفعم بالحنان. اجعل عقله يتركز في فكرة الحضور الإلهي إلي جانبه دائما، إذ ينظر السيَد إليه في رفق وحب. اجعله يفكر في قلب الآب الذي تحزنه الخطية، ويد الآب التي لا تزال ممتدة, وصوت الآب وهو يقول: (( يتمسك بحصني يصنع صلحا معي. صلحا يصنع معي )) (إشعياء 27: 5).

فإذ تنشغل بهذا العمل فإنّ لك رفاقا لا تراهم عيون الناس. لقد كان ملائكة السماء إلى جوار السامري الذي اهتم بالغريب الجريح. وإنّ الملائكة القادمين من السماء يقفون إلى جانب كل من يخدم يهوه بخدمة بني جنسه. بل أن المسيا نفسه يتعاون معك. إنّه الشافي وإذ تخدم تحت إشرافه ستري نتائج عظيمة.

فعلى أمانتك في هذا العمل يتوقف ليس خير الآخرين فحسب بل مصيرك الأبدي أيضا. إنّ المسيا يجتهد في أن يقيم كل من يريد أن يرتفع إلى معاشرته لنكون واحدا معه كما انه واحد مع الآب. إنّه يسمح لنا بالاقتراب من الآلام والبلايا لكي يخرجنا من نطاق الأنانية. وهو يحاول أن ينمي فينا سجايا خلقه – كالحنان والرقة والمحبة. فإذ نقبل عمل هذه الخدمة فإننا ننتظم في مدرسته لنكون مؤهلين لمساكن يهوه. أما إذا رفضناها فإنما نرفض وصيته ونختار الانفصال بعيدا عن وجهه إلى الأبد.

إنّ السيَد يعلن قائلا : (( إن حفظت شعائري أعطيك مسالك بين هؤلاء الواقفين )) – أي بين الملائكة المحيطين بالعرش (زكريا 3 : 7). فإذ نتعاون مع الخلائق السماوية في عملهم على الأرض فإننا نتأهب لمعاشرتهم في السماء (( أروحا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص )) (عبرانيين 1: 14), (( والملائكة في السماء سيرحبون بمن حين كانوا على الأرض عاشـوا لا ليُخـدَموا بل ليَخْدِموا )) (متى 20 :28). وفي هذه المصاحبة المباركة ممّا يفرحنا إلى الأبد أننا سـنتعلم كل ما كان مشـتملا هذا السـؤال : (( من هو قريبي؟ ))

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
11
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
16
Calendar App