8. مجَازاة النــّعمـَة
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

لقد غاب عن أنظار اليهود حق نعمة يهوه المجانية. فلقد علّم المعلّمون الشعب أنّ رضى يهوه ونعمته يجب أن يُكتسبا. وكانوا يؤمّلون أن يحصلوا على مجازاة الأبرار بأعمالهم. وهكذا كانت عبادتهم تمارس بروح تجارية طامعة. وحتى تلاميذ المسيا أنفسهم لم يكونوا متحررين تماما من هذه الروح، وقد انتهز المخلّص كل فرصة ليريهم خطأهم. وقبلما نطق بمَثَل الفعلة مباشرة حدث حادث أفسح له المجالَ ليقدم لهم المباديء السليمة.

ففيما كان سائرا في الطريق جاء رئيس شاب راكضا وجثا له وحيَّاه بوقار قائلا له: (( أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية? )) (متى 19: 16)

إنّ ذلك الرئيس خاطب المسيا على أنه معلّم مكرم، دون أن يعرف انّه ابن يهوه. فقال له المخلص: (( لماذا تدعوني صالحا . ليس أحد صالحا إلاّ واحد وهو يهوه )) (متى 19: 17). فكأنه يقول له: (( على أي أساس تدعوني صالحا? )) إنّ يهوه هو وحده الصالح. فإذا كنت تعترف بأنني صالح فيجب أن تقبلني كابنه ونائبه.

ثم أضاف يقول: (( إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا )) (متى 19: 17). إنّ صفات يهوه موضحة في شريعته, فلكي تكون في وفاق مع يهوه يجب أن تكون مباديء شريعته هي نبع كل أعمالك.

إنّ المسيا لا يقلل مطاليب الشريعة. ولكنّه بلغة لا تخطيء يقدّم الطاعة لها كشرط الحياة الأبدية  وهو نفس الشرط الذي طُلِب من آدم قبل سقوطه. ويهوه لا يتوقع من النفس الآن أقل ممّا توقع من الإنسان في الفردوس, أي الطاعة الكاملة والبرّ الذي لا عيب فيه. إنّ ما يطلب من الإنسان في عهد النعمة هو في نفس اتساع ما طلب من الإنسان الأول في عدن – أي التوافق مع شريعة يهوه التي هي مقدسة وعادلة وصالحة.

فإذ قال له السيد (( احفظ الوصايا )) أجاب الشاب قائلا: (( أيّة الوصايا? )) (متى 19: 18) فقد حسب أنّ المقصود هو فرضُُ طقسي, أمّا المسيا فكان يتحدث عن الشريعة المعطاة في سيناء. ثم ذكر له عدة وصايا مما كان مكتوبا على اللوح الثاني من الوصايا العشر. ثم أجملها كلها في وصية واحدة:(( أحب قريبك كنفسك ))  (متى 19: 18و19).

فأجابه الشاب قائلا بدون تردد : (( هذه كلها حفظتها منذ حداثتي فماذا يعوزني بعد? )) (متى 19: 20). إنّ فهمهم للشريعة كان خارجيا وسطحيا. فمن وجهة نظر الحكم بالقياس البشري كان خلُقه نقيا لا شائبةَ فيه. وكانت حياته الخارجية خالية من الذنوب إلى حد كبير, وفي الواقع انّه ظن أنّ طاعته كانت بلا عيب. ومع ذلك فقد كان في قلبه خوف خفيّ من أنّ كل شيء لم يكن على ما يرام بينه وبين يهوه. هذا جعله يقدّم سؤاله القائل: (( ماذا يعوزني بعد؟ ))

فقال له المسيا: (( إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا لأنّه كان ذا أموال كثيرة ))  (متى 19: 21و22).

إنّ من يحب نفسه هو متعدّ على الشريعة. هذا ما أراد يهوشوه أن يعلنه للشاب فقدّم له امتحانا يمكن أن يكشف عن أنانيةِ قلبه. فأراه مكان العيب في خلُقه. ولم يطلب الشاب أن يحصل على نورٍ اكثرَ. لقد أقام في قرارة نفسه صنما يخرّ أمامه ساجدا. فقد كان العالم هو إلهه. لقد ادّعى أنّه قد حفظ الوصايا، ولكنه كان يفتقر إلى المبدأ الذي هو روح وحياة كل الوصايا. فلم تكن في قلبه محبة صادقة ليهوه أو للإنسان. فالافتقار إلى هذا كان افتقارا إلى كل شيء يؤهـله لدخول ملكوت السموات. فإذ كان محبا لذاته وللربح العالمي كان في حالة عدم توافق مع مباديء السماء.

عندما أتى هذا الرئيس الشاب إلى يهوشوه استمال إخلاصه وغيرته قلب المخلص إليه: (( نظر إليه يهوشوه وأحبه ))  (مرقس 10: 21). فقد رأي في هذا الشاب إنساناً يمكن أن يقدم خدمة ككارز للبر. كان يمكنه أن يقبل هذا الشاب الموهوب النبيل باستعداد كما قد قبل الصيادين المساكين الذين تبعوه. فلو أنّ الشاب كـرّس موهبته لعمل خلاص النفوس لصار خادما للمسيا مجدّاً وناجحاً.

ولكن عليه أوّلا أن يقبل شروط التلمذة. عليه أن يسلّم نفسه ليهوه في غير تحفّظ. إنّ يوحنا وبطرس ومتى ورفقاءهم عندما سمعوا دعوة المخلص تركوا كل شيء وقامـوا وتبعوه (لوقا 5: 28). ونفس هذا التكريس كان مطلوبا من الرئيس الشاب. وفي هذا لم يسأله الإقدام على تضحية اعظم مما فعل هو نفسه الذي (( من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا انتم بفقره )) (2كورنثوس 8: 9). لم يكن على الشاب إلاّ أن يتبع المسيا في الطريق الذي أرشده.

نظر المسيا إلى الشاب واشتاق إلى نفسه. كان يتوق إلى أن يرسله كرسول بركة للناس. وفي مكان ما طلب منه المسيا أن يتنازل عنه قدّم له امتياز صحبته ومشاركته. قال له: (( اتبعني )). إنّ بطرس ويعقوب ويوحنا اعتبروا هذا الامتياز فرحا. والشاب نفسه نظر إلى المسيا بإعجاب, فقد انجذب قلبه إلي المخلص. إلاّ أنّه لم يكن مستعدا لقبول مبدأ التضحية الذي طلبه المخلص. لقد فضل غناه على يهوشوه. نعم انه كان يريد الحياة الأبدية ولكنه لم يرد أن يقبل في نفسه تلك المحبة الخالية من الأنانية التي هي وحدها الحياة, وبقلب حزين مضى تاركا المسيا.

فلما مضى الشاب قال يهوشوه: (( ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت يهوه )) (مرقس 10: 23). هذا الكلام ادهش التلاميذ. فلقد تعلّموا أن ينظروا إلى الأغنياء على انهم محاسيب السماء, وكانوا هم أنفسهم يرجون أن يحصلوا على السلطان والغنى العالمي في ملكوت مسيّا، فاذا كان الأغنياء سيخيبون من دخول الملكوت فأي رجاء يبقى لباقي الناس؟

(( فأجاب يهوشوه أيضا وقال لهم يا بنيّ ما أعسر دخول ذوي الأموال (المتكلين على الأموال) إلى ملكوت يهوه. مرور جمل من ثقب ابرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت يهوه. فبهتوا إلى الغاية )) (مرقس 10: 24-26). وها هم الآن يدركون أنّ ذلك الإنذار الخطير يشملهم هم أنفسهم. وفي نور أقوال المخلص انكشف شوقهم الخفي إلى السلطان والغنى. ففي شكهم من جهـة أنفسـهم تعجبـوا قـائلين : (( فمن يسـتطيع أن يخلـص? )) (مرقس 10: 26).

 (( فنظر إليهم يهوشوه وقال عند الناس غير مستطاع. ولكن ليس عند يهوه. لأن كل شيء مستطاع عند يهوه )) (مرقس 10: 27).

إنّ إنسانا غنيا كهذا لا يقدر أن يدخل السماء. فأمواله لا تعطيه حقا يؤهله لشركة ميراث القديسين في النور. إنما فقط بواسطة نعمة المسيا التي لا استحقاق لأحد فيها يتيح لأي إنسان أن يجد دخولا إلى مدينة يهوه.

إنّ كــلام الــروح القــدس موجّـه إلي الغـني كما إلى الفقـير حين يقـول: (( إنكم لستم لأنفسكم لأنكم قد اشتريتم بثمن )) (1كورنثوس 6: 19و20). فعندما يؤمن الناس بهذا فإن أموالهم تكون بين أيديهم على أنها أمانة لتستخدم فيما يأمر به يهوه لأجل خلاص الهالكين وتعزية المتألمين والفقراء. هذا غير مستطاع عند الناس لأن القلب يتعلق بكنوزه الأرضية. فالنفس المقيّدة بخدمة المال آذانها صمّاء عن أن تسمع صرخة الحاجة الإنسانية. ولكن عند يهوه كلّ شيء مستطاع. فالقلب الأناني إذ ينظر إلى محبة المسيا الفريدة يلين ويخضع. وسيُقاد الإنسان الغني إلى أن يقول مع شاول الفريسي: (( ما كان لي ربحا فهذا قد حسبته من أجل المسيا خسارة. بل إني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيا يهوشوه سيدي )) (فيلبي 3: 7و8). حينئذ لن يعتبروا شيئا ملكا لهم.وسيفرحون إذ يعتبرون ذواتهم كوكلاء على نعمة يهوه المتنوعة ولأجل اسمه يصيرون خداما لكل الناس.

وقد كان بطرس أوّل من استردّ قواه من الاقتناع الذي أحدثه كلام المخلّص. ففكر برضى وارتياح فيما قد تركه هو واخوته لأجل المسيا. ثم قال: ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فإذ تذكّر وعد المسيا المشروط الذي قدمه للرئيس حين قال له: فيكون لك كنز في السماء سأل المسيا حينئذ عن ماذا سيكون له هو ورفاقه من جزاء لتضحياتهم.

فهزّ جواب المخلص أوتار قلوب صيادي الجليل أولئك. فقد صور لهم الأمجاد التي حقّقت أسمى أحلامهم إذ قال لهم: الحق أقول لكم إنكم انتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون انتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر ثم أضاف قوله: (( وكل من ترك بيوتا أو اخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولاداً أو حقولا من اجل اسمي يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية )) (متى 19: 27-29).

إلاّ أن سؤال بطرس القائل: (( ماذا سيكون لنا? )) (متى 19: 27) كشف عن روح كانت كفيلة بأن تجعل التلاميذ غير مؤهلين لأن يكونوا رسل المسيا ما لم تُعالج تلك الروح وتُصلح, لأنها كانت روح الأجير. إنّ التلاميذ في حين انّهم كانوا قد اجتُذبوا بمحبة يهوشوه لم يكونوا قد تحرروا تماما من الروح الفرّيسية. فقد كانوا يعملون بفكرة استحقاقهم للجزاء بنسبة تعبهم. لقد احتضنوا روح تمجيد النفس والرضى عن النفس وجعلوا يقارنون بين بعضهم البعض. وعندما كان أحدهم يفشل في أي شيء كان الآخرون يغرقون في مشاعر التفوق.

ولكن حتى لا تغيب عن عقول التلاميذ مباديء الإنجيل أورد لهم المسيا مثلا فيه شرح لهم الكيفية التي بها يتعامل يهوه مع خدامه، والروح التي يريدهم أن يخدموه بها.

فقال لهم: (( ملكوت السموات يشبه رجلا رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعلة لكرمة )) (متى 20: 1). كان من عادة من يطلبون عملا أن ينتظروا في السوق حيث كان يذهب المؤجرة ليجدوا من يخدمون. إنّ الرجل المذكور في المثل مصوّر على انه خرج ساعات مختلفة بحثا عن فعلة. والذين استؤجروا في ساعات الصباح الباكرة اتفقوا علي أن يعملوا مقابل اجر معلوم, أما الذين بدأوا في الشغل بعد ذلك فقد تركوا تقدير أجرهم لفطنة رب البيت.

(( فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله. ادعُ الفعلة واعطهم الأجرة مبتدئا من الآخرين إلى الأولين. فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا دينارا دينارا. فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون اكثر. فاخذوا هم أيضا دينارا دينارا )) (متى 20: 8-10).

إنّ معاملة رب البيت للفعلة الذين اشتغلوا في كرمه تمثل لنا معاملة يهوه للأسرة البشرية. فهي على نقيض العادات الشائعة بين الناس. ففي الأشغال العالمية تُعطى الأجرة على قدر ما أُنجز من العمل. فالعامل يتوقع أن يأخذ فقط أجرة عمله الذي يستحقه. ولكن المسيا في هذا المثل كان يشرح مباديء ملكوته – الملكوت الذي ليس من هذا العالم. إنّه لا يخضع لأي مقياس بشري. فالسيد يقول: (( أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي ... لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم )) (إشعياء 55: 8و9).

في هذا المثل نجد أنّ الفعلة الأولين اتفقوا على أن يشتغلوا مقابل مبلغ متفق عليه وقد أخذوا ذلك المبلغ المخصص لا أكثر. أمّا الذين أُجّروا بعد ذلك فصدقوا وعد السيد حين قال له: (( فتأخذوا ما يحق لكم )) (متى 20: 7). وقد برهنوا على ثقتهم فيه إذ لم يسألوه شيئا عن الأجرة. لقد وثقوا في عدالته وإنصافه. وقد كوفئوا لا على قدر كمية الشغل الذي قاموا به بل بحسب سخائه في قصده.

وهكذا يهوه يريدنا أن نثق بمن يبرر الفاجر. فهو يعطي الأجرة لا على قدر استحقاقنا بل على حسب قصده: (( الذي صنعه في المسيا يهوشوه سيدنا )) (أفسس 3: 11), (( لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا ))(تيطس 3: 5). وللذين يثقون به هو سيفعل (( أكثر جدا مما نطلب أو نفتكر )) (أفسس 3: 20).

فالذي يجعل العمل ذا قيمة في نظر يهوه ليس هو كمية العمل الذي نقوم به أو نتائجه المنظورة بل هو الروح التي بها نعمل العمل. إنّ الذين أتوا إلى الكرم في الساعة الحادية عشرة كانوا شاكرين على الفرصة المقدمة لهم للعمل. وقد امتلأت قلوبهم امتنانا لمن قد قبلهم. وعندما أعطاهم ربّ البيت أجر عمل يوم كامل اندهشوا جدّا. لقد عرفوا انّهم لا يستحقون مثل ذلك الأجر. كما أنّ امائر الحنان التي ارتسمت على وجه مستخدمهم ملأتهم فرحاً. إنّهم لم ينسوا قط صلاح رب البيت أو الأجر السخي الذي قد أخذوه وهكذا الحال مع الخاطيء الذي مع علمه بعدم استحقاقه دخل كرم السيد في الساعة الحادية عشرة. إنّ وقت خدمته قصير جدا بحيث لا يري نفسه مستحقّاً لأية أجرة, ولكن قلبه مفعم بالفرح لأنّ يهوه قد قبله. إنّه يخدم بروحٍ متواضعةٍ واثقةٍ, وهو شاكر على امتياز حسبانه شريكا للمسيا في عمله. ويهوه يسر بأن يكرم هذه الروح.

إنّ السيد يريدنا أن نستريح فيه بدون سؤال عن مقدار أجرتنا. وعندما يسكن المسيا في النفس فإنّ فكرة الأجر لن تكون أهم مطلب. فهذا ليس الباعث الذي يحرّكنا للخدمة. نعم إننا بمعنى ثانوي علينا أن نحترم تعويض الأجرة. فيهوه يريدنا أن نقدر البركات التي وعدنا بها. ولكنه لا يريدنا أن نكون مشتاقين إلى أجورنا ولا أن نحس أننا يجب أن نأخذ تعويضا عن كل واجب نؤديه. وينبغي ألاّ تكون رغبتنا في الحصول على الأجر قدر رغبتنا في عمل الحق بغض النظر عن الربح. فيجب أن يكون باعثنا هو المحبة ليهوه ولبعضنا البعض.

ولكن هذا المثل لا يتسامح مع من يسمعون الدعوة الأولى ولكنهم يهملون الدخول في كرم السيد. فعندما ذهب رب البيت إلي السوق في الساعة الحادية عشرة ووجد رجالا بطالين قال لهم: لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين فقالوا له : (( لأنه لم يستأجرنا أحد )) (متى 20: 6و7). إنّه ولا واحد ممّن دُعوا في أواخر النهار كان موجودا في الصباح. فلم يسبق لهم أن رفضوا الدعوة. فالذين يرفضون وبعد ذلك يندمون يفعلون حسنا إذ يندمون, ولكن لا أمان لمن يستخفّ بدعوة الرحمة الأولى.

وعندما أخذ الفعلة الذين عملوا في الكرم (( دينارا دينارا )) (متى 20: 9و10) فالذين بدأوا العمل باكرا في النهار استاءوا. ألم يشتغلوا اثنتي عشرة ساعة؟ هكذا تساءلوا, أو ليس من العدل أن يأخذوا أجرا أكثر ممن اشتغلوا ساعة واحدة في الوقت الذي فيه خفت الحرارة ؟ فقالوا : (( هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر )) (متى 20: 12).

فقال رب البيت لواحد منهم : (( يا صاحب ما ظلمتك. أما اتفقت معي على دينار. فخذ الذي لك واذهب فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك. أو ما يحلّ لي أن أفعل ما أريد بمالي. أم عينك شريرة لأني أنا صالح )).

(( هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين. لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون )) (متى 20: 13-16).

إنّ الفعلة الأولين المذكورين في المثل يمثلون من يدّعون الأفضلية على غيرهم بسبب خدماتهم. إنّهم يشرعون في العمل بروح فيها يهنئون أنفسهم ولكنهم لا يدخلون في العمل روح إنكار الذات والتضحية. ربما يَّدعون انهم قد خدموا يهوه مدى حياتهم. وقد يكونون في مقدمة من احتملوا المشقات والعوز والتجارب ولذلك يظنّون أنفسهم مستحقين لأجر كبير. إنّهم يفكرون في الأجرة أكثر من تفكيرهم في امتياز كونهم خداما للمسيا. وهم يفكرون في أن تعبهم وتضحياتهم تؤهلهم للحصول على كرامة أكثر من غيرهم. ولكون هذا الادّعاء غير مُعترَف به يغضبون. فلو أدخلوا في عملهم روحاً محبةً واثقةً لكانوا يظلون في المقدمة. ولكن ميلهم إلى المشاكسة والتشكّي لا يمتّ إلي المسيحية بصلة ويبرهن على أنّهم غير أهل للثقة. وهذا يكشف عن رغبتهم في أن يكونوا متقدمين, وعلي عدم ثقتهم بيهوه، وروحهم الحسود الحقود على اخوتهم. إنّ صلاح السيد وكرمه هو بالنسبة إليهم فرصة للتذمر. وبهذا يبرهنون على أنّه لا توجد صلة بين نفوسهم وبين يهوه. وهم لا يعرفون فرح التعاون مع الخادم الأعظم.

لا يوجد شيء يكرهه يهوه اكثر من هذه الروح المتزمتة التي لا تكترث لغير نفسها. وهو لا يمكنه أن يعمل أو يتعاون مع أي إنسان تبدو منه هذه الصفات. فهو لا يحسّ بعمل روح يهوه.

لقد كان اليهود أول من دُعوا إلى كرم السيد ولهذا كانوا متكبرين وأبرار في أعين أنفسهم. وقد اعتبروا أنّ سني خدمتهم الطويلة تؤهلهم للحصول على أجر أكثر من غيرهم ولم يكن ما يثيرهم قدر إبلاغهم بأنّ الأمم سيسمح لهم بالحصول على امتيازات تساوي امتيازاتهم في أمور يهوه.

وقد حذر المسيا التلاميذ الذين كانوا أول من دعاهم ليتبعوه لئلا يُبقوا على نفس ذلك الشرّ فيما بينهم. وقد رأى أنّ الضعف الذي هو لعنة الكنيسة هو روح البرّ الذاتي فالناس يظنون أنّه يمكنهم أن يفعلوا شيئا به يستحقون مكاناً في ملكوت السموات. وقد يتصورون انهم عندما يحرزون بعض التقدم فالسيد سيتقدم لمعونتهم. وهكذا يكون الجانب الأكبر من الثقة في الذات والجانب الأصغر في يهوشوه. وكثيرون ممن قد أحرزوا قليلا من النجاح قد ينتفخون ويظنون أنفسهم افضل من غيرهم. وقد يتوقون إلي التملق ويأكل الحسد قلوبهم إذا لم يفتكر الناس فيهم انهم أهمّ بكثير من غيرهم. والمسيا يحاول أن يحمي تلاميذه من هذا الخطر.

إنّه لا يوجد مجال لأن نفتخر باستحقاق في ذواتنا: (( لا يفتخرن الحكيم بحكمته ولا يفتخر الجبار بجبروته ولا يفتخر الغني بغناه. بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني أنّي أنا يهوه الصانع رحمة وقضاء وعدلا في الأرض لأنّي بهذه أسر يقول يهوه )) (أرميا 9: 23و 24).

والأجـرة ليسـت من الأعمـال كي لا يفتخــر آخــر بـل الكـلّ من النعمــة: (( فماذا نقول إن أبانا ابراهيم قد وُجد حسب الجسد. لانه إن كان ابراهيم قد تبرّر بالأعمال فله فخر. ولكن ليس لدي يهوه. لأنه ماذا يقول الكتاب. فآمن إبراهيم بيهوه فحُسب له برّا. أمّا الذي يعمل فلا تحسب له الأجرة علي سبيل نعمة بل علي سبيل دين. وأمّا الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له برّا )) (رومية 4: 1-5). لذلك لا مجال لان يفتخر أحد علي آخر أو يحقد على آخر. لا يوجد أحدُُ مفضّل على آخر ولا لأحد أن يدّعي أن الأجرة هي من حقه.

فالأولون والآخرون سيكون لهم نصيب في الأجرة العظيمة الأبدية, ويجب على الأولين أن يرحبوا بالآخرين بسرور. فالذي يحقد على الآخر لحصوله على الأجرة ينسى انه هو نفسه مخلص بالنعمة وحدها. أن مثل الفعلة توبيخ لكلّ حسد وشكّ. إن المحبة تفرح بالحق ولا تقرّ أية مفارقات حسودة. إنّ من عنده محبة يقارن فقط بين جمال المسيا وبين نقص أخلاقه هو.

هذا المثل هو إنذار لكل الخدام مهما طالت خدمتهم ومهما كثر عملهم وتعبهم, حتى انّهم إذا لم يكونوا محبين لإخوتهم وليسوا متواضعين أمام يهوه فليسوا شيئا. ليس هنالك دين في تربّع الذات على العرش. فالذي يجعل تمجيد الذات هدفه يجد انّه مجرّد من تلك النعمة التي تستطيع وحدها أن تجعله كفوءا في خدمة المسيا. فكلما انغمس الإنسان في الكبرياء والرضى بالذات يُفسد العمل.

إنّ ما يجعل خدمتنا مقبولة لدى يهوه ليس هو طول مدة الخدمة بل هو استعدادنا للقيام بها عن طيب خاطر وولاؤنا. ففي كل خدمتنا يطلب منا تسليم الذات تسليما كاملاً. إنّ اصغر واجب نؤديه بروح الإخلاص ونسيان الذات هو مرضيّ أكثر لدى يهوه من اعظم عمل يفسده طلب ما للذات. إنّه ينظر ليرى مقدار ما فينا من روح المسيا ومقدار ما يظهر عملنا من صورة المسيا. إنّه يعتبر المحبة والأمانة اللتين بهما تعمل أكثر من كمية العمل الذي ننجزه.

إنّما فقط عندما نُميت الأنانية، وعندما نقضي على التنازع لأجل السلطة والسيادة، وعندما يمتليء القلب بروح الشكر وعندما تُعطّر المحبة الحياة – حينئذ فقط يكون المسيا ساكنا في النفس ويُعتَرَفُ بأننا عاملون مع يهوه.

إنّ الخدام الأمناء لا يعتبرون خدمتهم عناء مهما تكن شاقة أو مضنية. فهم مستعدون لأن ينفقوا وينفقوا, ولكنّه عمل مسرّ يُعمَل بقلوب فرحة. فهم يُعبّرون عن فرحهم بيهوه بيهوشوه المسيا. فسرورهم هو السرور الموضوع أمام المسيا – (( أنْ أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله )) (يوحنا 34:4). فهم متعاونون مع سيد المجد. هذا الفكر يجعل كل تعب حلواً ويشدّد الإرادة ويقوّي الروح لمواجهة كل ما يصيبنا. إنهم إذ يخدمون بقلوب خالية من الأنانية، وقد سمت لأنهم شركاء المسيا في آلامه، وشركاءه في عواطفه وإذ يتعاونون معه في عمله فإنّهم يساعدون في بهجة قلبه وتقديم الكرامة والحمد لاسمه الممجد.

هذه هي روح كل خدمة أمينة تقدم ليهوه. وبسبب انعدام هذه الروح كثيرون ممّن يبدو أنّهم أولون يصيرون آخرين، في حين أنّ من عندهم هذه الروح مع انّهم يحسبون آخرين يصيرون أولين.

يوجد كثيرون ممّن قد سلّموا ذواتهم للمسيا، ومع ذلك لا يجدون فرصة فيها يعملون عملا عظيما أو  يُقدمون على تضحيات عظيمة في خدمته. أمثال هؤلاء يمكنهم أن يجدوا لأنفسهم العزاء في الفكر بانّ تسليم الشهيد لا يجعله بالضرورة أكثر قبولا لدى يهوه. فقد لا يكون المرسل الذي يواجه الخطر والموت كل يوم هو الأرفع منزلة في أسفار السماء. فالمسيحي الذي هو هكذا في حياته الخاصة في تسليمه لذاته كل يوم، وفي خلوص قصده وطهارة فكره، وفي وداعته أمام الإثارة، وفي الإيمان والتقوى، وفي أمانته في القليل، والذي في حياته البيتية يمثل صفات المسيا – مثل هذا قد يكون أعظم في نظر يهوه من اشهر مرسلي العالم وشهدائه.

ما أبعد الفرق بين مقاييس يهوه ومقاييس الناس للخلُق. فيهوه يري تجارب كثيرة وجدت مقـاومة ولم يعرف عنها العـالم ولا حتى الأصـدقاء الأقـربون شيئاً – تجارب في البيت وفي القلب. وهو يري وداعة النفس أمام ضعفها، والتوبة الخالصة حتى عن فكر واحد شرّير. كما يرى التكريس القلبي لخدمته. وقد لاحظ ساعات الصراع المرير القاسي مع الذات – الصراع الذي كُلّل بالنصرة. كل هذا يعرفه يهوه والملائكة. يوجد سفر تذكرة مكتوب أمامه للذين اتّقوا السيد وللمفكرين في اسمه.

إنّ سرّ النجاح لا يوجد في علومنا أو مركزنا, لا في كثرة عددنا أو الوزنات المودعة بين أيدينا, ولا في مشيئة إنسان. فإذ نحسّ بعدم كفايتنا وعجزنا علينا أن نفكر في المسيا، وفيه الذي هو قوة كل قوة، وفكر كل فكر يحرز المستعدون والمطيعون نصرة بعد نصرة.

ومهما تكن خدمتنا قصيرة أو عملنا متواضعاً، فإذا اتبعنا المسيا بإيمان بسيط فلن نخيب من الأجرة. فما لا يستطيع حتى أعظم الناس أو أحكمهم أن يستحقّوه يمكن لأضعف الناس وأحقرهم أن ينالوه. إنّ باب السماء الذهبي لا يُفتح لمن يمجدون ذواتهم، ولا تـُرفع ارتاجه للمتكبّري الروح. ولكن الأبواب الدهرية تفتح على رحبها أمام اللمسة المرتعشة من طفل صغير. وسيكون ثواب النعمة مباركا لمن قد خدموا يهوه في بساطة الإيمان والمحبة.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
11
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
16
Calendar App