9. لِلِقــَاء العـَريس
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

هاهو المسيا جالس مع تلاميذه فوق جبل الزيتون وقد غابت الشمس خلف الجبال فالتحفت السموات بغلاف من ظلال المساء. وأمامهم تماما بيت أضيئت فيه الأرض متألقة كما لو أن هناك احتفالا مبهجاً. والنور ينبثق من النوافذ, وهناك جماعة منتظرة حول الباب مما يدل على قرب ظهور موكب عرس. ففي كثير من بلدان الشرق تقام حفلات الأعراس في وقت المساء. والعريس يخرج لملاقاة عروسه والإتيان بها إلى بيته. والجماعة المرافقة للعروس تسير على نور المشاعل متقدمة من بيت أبيها إلي بيت العريس حيث تقام وليمة للضيوف المدعوين. وفي المشهد الذي يراه المسيا توجد جماعة منتظرة ظهور موكب العرس على نيّة الانضمام إلى الموكب.

وبالقرب من بيت العروس تقف عشر عذارى متسربلات بالحلل البيضاء. وكل منهنّ تحمل مصباحا منيرا أو آنية صغيرة للزيت. وكلّهن ينتظرون ظهور العريس بشوق. ولكنّ العريس يتأخّر. تمرّ ساعة بعد ساعة. فتنام العذارى المنتظرات وينمن. وفي نصف الليل يُسمع صراخ يقول: (( هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه )) (متى 25: 6). فإذ تصحو العذارى النائمات فجأة ينهضن على أقدامهن. إنّهن يرين الموكب سائرا وقد أشرقت فيه الأنوار وصدحت الموسيقى. وها هنّ يسمعن صوت العريس وصوت العروس. فتمسك العذارى العشر مصابيحهن ويصلحنها ليخرجن سريعا. ولكن خمسا منهن أهملن أن يملأن آنيتهن زيتا. إنّهن لم يكنّ يحسبن حساب هذا التأخّر الطويل فلم يتأهّبن لذلك الطاريء. ففي كربهنّ لجأن إلى رفيقاتهن الحكيمات قائلات: (( أعطيننا من زيتكن فإن مصابيحنا تنطفيء )) (متى 25: 8). أمّا الخمس العذارى المنتظرات فكن قد أفرغن الزيت من آنيتهن بعدما أصلحـن مصابيحهـن. فلم يتبقَ معهن زيت ولذلك يُجبن صواحبهن قائلات: (( لعلّه لا يكفي لنا ولكُنّ بل اذهبن إلى الباعة وابتعن لكُنّ )) (متى 25: 9).

وفيما هنّ ذاهبات ليبتَعْن تقدم الموكب أما هنّ فتخلّفن أما الخمس العذارى ذوات المصابيح المضاءة فانضممن إلى الموكب ودخلن البيت مع موكب الفرح واُغلق الباب. وعندما وصلت العذارى الجاهلات إلى بيت الوليمة لم يُسمح لهن بالدخول على عكس ما كنّ يتوقعن. فقد أعلن صاحب الوليمة قائلا لهنّ: ما أعرفكنّ . فتُرِكن واقفاتٍ خارجا في الشارع الخالي من المارة وفي ظلمة الليل الداجية .

فإذ جلس المسيا ليرى تلك الجماعة المنتظرة قدوم العريس أخبر تلاميذه بقصّة العذارى العشر، وباختبارهنّ شرحن اختبار الكنيسة التي ستعيش قبيل مجيئه الثاني.

إنّ الفريقين المنتظرين يمثّلان الفريقين اللذين سيعترفان بأنهما ينتظران السيد.إنهما يُسمّيان عذارى لأنهما يعترفان باعتناق الإيمان النقي. والمصابيح ترمز إلى كلمة يهوه. فالمرنم يقول: (( سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي )) (مزمور 119: 105). والزيت رمز إلى الروح القدس. وهكذا نجد أن الروح يُرمز إليه في نبوة زكريا بالقول: (( فرجع الملاك الذي كلمني وأيقظني كرجل أُوقظ من نومه. وقال لي ماذا ترى. فقلت قد نظرت وإذا بمنارة كلّها ذهب وكوزها على رأسها وسبعة سرج عليها وسبع أنابيب السرج التي على رأسها. وعندها زيتونتان إحداهما عن يمين الكوز والأخرى عن يساره. فأجبت وقلت للملاك الذي كلمني قائلا ما هذه يا سيدي... فأجاب وكلمني قائلاً هذه كلمة يهوه إلى زربابل قائلاً لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي قال يهوه إله الجنود... وأجبت ثانية وقلت له ما فرعا الزيتون اللذان بجانب الأنابيب من ذهب المفّرغان من أنفسهما الذهبي ... فقال هاتان هما ابنا الزيت الواقفان عند سيد الأرض كلها )) (زكريا 4: 1 – 14).

لقد أفرغ الزيت الذهبي من الزيتونتين في الأنابيب الذهبية ليصب في طاس المنارة ومنها إلى المصابيح الذهبية التي أنارت القدس. وهكذا بواسطة القديسين الواقفين في حضرته يعطى يهوه روحه للأداة البشرية المكرسة لخدمته. إن رسالة الممسوحين هي أن يوصلا إلى شعب يهوه تلك النعمـة السـماوية التي تسـتطيع وحـدها أن تجعـل كلمته سراجاً ونوراً لسبلنـا: (( لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي قال يهوه إله الجنود )) (زكريا 4: 6).

إننا نجد في المثل أنّ العذارى العشر جميعهن خرجن للقاء العريس. وكانت معهن جميعاً المصابيح وأواني الزيت. وقد ظللن بعض الوقت وكأن لا فرق بينهن. وكذلك ستكون الحال مع الكنيسة التي ستكون موجودة قبيل المجيء الثاني للمسيا مباشرة. فالجميع يعرفون الكتب. وقد سمع الجميع الرسالة المنبئة بقرب مجيء المسيا وهم ينتظرون ظهوره بثقة. ولكن كما في المثل كذلك الحال الآن. فان فترة انتظار ستتوسط في ذلك الوقت ويُجرَّب الإيمان، وعندما يسمع الصراخ القائل: (( هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه )) سيكون كثيرون غير مستعدين. إذ لا يوجد زيت في آنيتهم مع مصابيحهم. انّهم محرومون من الروح القدس.

إنّ معرفة كلمة يهوه بدون روحه لا جدوى منها. ونظرية الحق ما لم يصحبها الروح القدس لا يمكنها أن تحيي النفس أو تقدس القلب. قد يكون الإنسان على علم ودراية بأوامر الكتاب المقدس ومواعيده ولكن ما لم يعمـّق روح يهوه الحق في القلب فلن تتغير الأخــلاق. وبدون إنـارة الروح لن يستطيع الناس أن يميزوا الحق من الضلال فيسقطون في تجارب الشيطان البارعة.

إنّ الفريق الذي ترمز إليه العذارى الجاهلات ليسوا مرائين. فهم يقدرون الحق وقد دافعوا عن الحق وهم يميلون إلى من يؤمنون بالحق، لكنهم لم يخضعوا ذواتِهم لعمل الروح. إنّهم لم يسقطوا على الصخرة، المسيا يهوشوه ولم يسمحوا لطبيعتهم القديمة أن تنكسر. وهذا الفريق يرمز إليهم أيضاً السامعون الذين تُشبه قلوبهم الأرض المحجرة. إنّهم يقبلون الكلمة حالا ولكنّهم لا يستوعبون مبادئها. فتأثير الكلمة لا يدوم. إنّ الروح يعمل في قلب الإنسان بحسب رغبة الإنسان ورضاه غارساً فيه طبيعة جديدة. ولكنّ أفراد الفريق الذين ترمز إليهم العذارى الجاهلات اقتنعوا بعمل سطحي. إنّهم لا يعرفون يهوه، إنّهم لم يتأملوا في صفاته ولا كانت لهم شركة معه، ولذلك فهم لا يعرفون كيف يثقون، ولا كيف ينظرون إليه ويحيون. إن خدمتهم ليهوه تنحط بحيث تصير أمراً شكلياً (( يأتون إليك كما يأتي الشعب ويجلسون أمامك كشعبي ويسمعون كلامك ولا يعملون به لأنّهم بأفواههم يظهرون أشواقاً وقلبهم ذاهب وراء كسبهم )) (حزقيال 33: 31). والرسول بولس يشير إلى أن هذا سيكون هو الصفة المميزة لمن يعيشون قبيل المجيء الثاني للمسيا. فيقول: (( إنّه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم ... محبين للذات دون محبة ليهوه لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها )) (2 تيموثاوس 3: 1 – 5).

هؤلاء هم الجماعة الذين في وقت الخطر يقولون سلام وأمان. انهم يسكنون قلوبهم لتشعر بالطمأنينة ولا يحلمون بأي خطر. وعندما يجفلون من سباتهم يستعيبون عوزهم ويتوسّلون إلى الآخرين ليسدوا تلك الحاجة، ولكن في الشؤون الروحية لا يمكن لإنسان إنّ يسد نقص إنسان آخر. إنّ نعمة يهوه قد قُدّمت مجاناً لكل نفس. وقد أذيعت بشرى الإنجيل تقول: (( من يعطش فليأت. ومن يُرد فليأخذ ماء حياة مجاناً )) (رؤيا 22: 17) ولكن الخلُق لا يمكن نقله أو إعارته. فلا يمكن أن يؤمن إنسانُُ لإنسانٍ آخر، ولا يمكن لواحد أن يقبل الروح نيابة عن آخر. ولا يستطيع إنسان أن يُعطي لآخر الخلُق الذي هو ثمرة عمل الروح في قلبه: (( وفى وسطها (وسط الأرض) نوح ودانيال وأيوب فحيّ أنا يقول السيد يهوه انّهم لا يخلّصون ابناً ولا ابنةً. إنّما يخلّصون أنفسهم ببرّهم )) (حزقيال 14: 20).

الخلُق يظهر في الأزمات. فعندما أعلن الصوت الغيور في نصف الليل قائلاً: (( هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه )) واستيقظت العذارى النائمات من نومهن رُؤيَ من هنّ اللائي أعددن العدة لذلك الحادث. لقد أُخِذَ كلا الفريقين على غرّة، ولكن فريقاً منهما كان متأهباً لمواجهة ذلك الظرف الطاريء، بينما الفريق الآخر كان على غير استعداد. هكذا الآن فإنّ بليّة مفاجئة غير متوقعة، وشيئاً يوقف النفس وجهاً لوجه أمام الموت سيَرى ما إذا كان هنالك إيمان حقيقي بمواعيد يهوه. وهذه البلية ستبرهن ما إذا كانت النفس مدعمة بالنعمة. إنّ الامتحان الأخير العظيم يأتي في نهاية فرصة الإمهال المقدمة للناس عندما يكون قد مضى الوقت الذي فيه تُسدّ حاجة النفس.

إنّ العذارى العشر ساهراتٍ في مساء تاريخ العالم هذا. والجميع يدّعون انهم مسيحيون. والجميع لهم دعوة واسم ومصباح، والجميع يعترفون بأنّهم يعملون خدمة يهوه. والجميع يبدو عليهم انهم ينتظرون مجيء المسيا. ولكن خمساً غيرُ مستعداتٍ، خمساً سيجدن أنفسهن مندهشاتٍ بئِسات خارج بيت الوليمة.

وفى اليوم الأخير سيَدّعي كثيرون أنّ لهم الحق في دخول ملكوت المسيا إذ يقولون: (( أكلنا قدامك وشربنا وعلّمت في شوارعنا ))،(( يا سيَد يا سيَد أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة? )) فيأتي الجـواب: (( أقــول لكم لا أعــرفكم من أين أنتـم. تباعـدوا عنى )) (لوقا 13: 26 و 27 ؛ متى 7: 22). إنّهم لم يعاشروا المسيا في هذه الحياة، ولذلك فهم لا يعرفون لغة السماء وهم غرباء عن أفراحها: (( مَن مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روحُ الإنسان الذي فيه. هكذا أيضاً أمور يهوه لا يعرفها أحدُُ إلاّ روحُ يهوه )) (1 كورنثوس 2: 11).

إنّ أعظم الأقوال حزناً سمعتها أذنُ إنسانٍ هي كلمات الدينونة هذه القائلة: (( لا أعرفكن )). إنّ شركة الروح التي قد ازدريتم بها هي دون سواها التي كان يمكنها أن تجعلكم متّحدين مع ذلك الجمع الفرح في وليمة العرس. ولكنكم لا تستطيعون الاشتراك في ذلك المشهد. فنوره يقع على عيونكم العمياء وآذانكم الصمّاء لا تسمع أنغامه. ومحبة تلك الوليمة وفرحها لا يمكنها أن توقظ أوتار الفرح في قلب خدّره العالم. فأنتم تُمنعون من الدخول إلى السماء لأنكم غير مؤهلين لمعاشرة سكانها.

ونحن لا يمكننا أن نكون مستعدين لملاقاة السيَد إذا كنا لا نستيقظ إلا عند سماع صوت الصراخ القائل: (( هوذا العريس مقبل )) وحينئذ نجمع مصابيحنا الفارغة لكي تُملأ ثانية. ولا نستطيع أن نُبقي المسيا بعيداً عن حياتنا هنا ومع ذلك نكون مؤهلين لمعاشرته في السماء.

أنّنا نجد في المثل أنّ العذارى الحكيمات أخذن زيتاً في آنيتهنّ مع مصابيحهنّ. وقد تألق نورهنّ بلهيب لامع في ليل الانتظار. وهذا زاد من الإنارة لإكرام العريس. فإذ أشرق النور في تلك الظلمة فقد أعان على إنارة الطريق لبيت العريس وإلى وليمة العرس.

وكذلك يجب على تلاميذ المسيا أن يشرقوا بنورهم في ظلمة العالم. فبواسطة الروح القدس تصير كلمة يهوه نوراً إذ تصير قوّةً مجددةً لحياة من يقبلها. إنّ الروح القدس إذ يغرسُ في قلوب الناس مباديءَ كلمته فهو ينمّي فيهم صفات يهوه. فيجب أنّ نور مجده - أي صفاته - يضيء في حياة تابعيه. وهكذا عليهم أن يمجدوا يهوه، وأن ينيروا الطريق إلى بيت العريس, إلى مدينة يهوه, إلى عشاء عرس الحمل.

وفى نصف الليل جاء العريس - أي في أظلم ساعات الليل. وهكذا سيجيء المسيا في أظلم فترة من تاريخ هذه الأرض. إنّ أيام نوح وأيام لوط تصوّر لنا حالة العالم قبيل مجيء ابن الإنسان. والكتب المقدسة إذ تشير إلى الأمام إلى هذا الوقت تعلن أن الشيطان سيعمل بكل قوة و (( بكل خديعة الإثم )) (2 تيموثاوس 2: 9 و 10). إنّ عمله يظهر بوضوح بواسطة الظلمة المنتشرة بسرعة والضلالات الكثيرة والهرطقات ومخادعات هذه الأيام الأخيرة. إنّ الشيطان ليس فقط دائباً على أن يأسر العالم بل إنّ غواياته تخمّر الكنائس المعترفة بسيَدنا يهوشوه المسيا. وسيتطور الارتداد العظيم حتى يصير ظلمة داجية كظلمة منتصف الليل لا يمكن اختراقها كمسح من الشعر. وبالنسبة إلى شعب يهوه فسيكون ليل التجارب, ليل البكاء, ليل الاضطهاد لأجل الحقّ. ولكن من ليل الظلام ذاك سيضيء نور يهوه.

 (( يشرق نور من ظلمة )) (2 كورنثوس 4: 6). فحين (( كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة )) كان (( روح يهوه يرف على وجه المياه. وقال يهوه ليكن نور فكان نور )) (تكوين 1: 2 و 3). وكذلك في ليل الظلمة الروحية تخرج كلمة يهوه قائلة: (( ليكن نور )) ثم يقول لشعبه: (( قومي استنيري لأنّه قد جاء نورك ومجد يهوه أشرق عليك )) (إشعياء 60: 1).

والكتاب يقول: (( لأنه ها هي الظلمة تغطى الأرض والظلام الدامس الأمم. أمّا عليك فيشرق يهوه ومجده عليكِ يُرى )) (إشعياء 60: 2).

إنّ الظلمة التي تكتنف العالم هي ظلمةَ سوءِ إدراك الناس ليهوه. فالناس يضيّعون معرفتهم لصفاته. لقد أُسيء فهمها وحُرّفت. ففي هذا الوقت ستعلن رسالة من يهوه. رسالة منيرة بتأثيرها ومخلصة بقوّتها. فيجب أن تعرف صفاتُه. فسيخترق ظلام العالم نور مجده ونور صلاحه ورحمته وحقه.

هذا هو العمل الذي يلخّصه اشعياء النبي في قوله: (( ارفعي صوتك بقوة يا مبشرة أورشليم. ارفعي لا تخافي. قولي لمدن يهوذا هوذا إلهُك. هوذا السيد يهوه بقوة يأتي وذراعه تحكم له. هوذا أجرته معه وعملته قدامه )) (إشعياء 40: 9 و 10).

فالذين ينتظرون مجيء العريس عليهم أن يقولوا للشعب: (( هوذا إلهكم )). إنّ آخر أشعة نور الرحمة. وآخر رسالة الرحمة للعالم هي الإعلان عن صفته صفة المحبّة. وعلى أولاد يهوه أن يعلنوا مجده. ففي حياتهم وصفاتهم عليهم أن يعلنوا ما قد صنعته نعمة يهوه لأجلهم.

ويجب أن يشرق نور شمس البرّ في الأعمال الصالحة - في أقوال الحق وأعمال القداسة.

إنّ المسيا الذي هو بهاء مجد الآب قد أتى نوراً للعالم. وهو جاء ليمثل يهوه للنـاس. وقد قـال عنه الكتــاب انه قد مُسـح (( بالــروح القـدس والقـوة )) و (( جــال يصنــع خـيراً )) (أعمال 10: 38). وإذ كـان في مجمـع الناصـرة قـال : (( روح يهوه على لأنه مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة يهوه المقبولة )) (لوقا 4: 18 و 19). كان هذا هو العمـل الذي فوض لتلاميـذه أمر القيـام به. وقد قال: (( أنتم نور العالم )) (( فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات )) (متى 5: 14 و 16).

هذا هو العمل الذي يصفه النبي اشعياء حين يقول: (( أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك. إذا رأيت عرياناً أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك. حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك ســريعاً ويســير برك أمـامك ومجـد يهوه يجمع سـاقتك )) (إشعياء 58: 7 و 8).

وهكذا ففي ليل الظلام الروحي يشرق مجد يهوه بواسطة كنيسته في إقامة المنحنين وتعزية النائحين.

ففي كل مكان حولنا تسمع ولولةَ أحزان العالم. وفى كل ناحية يوجد المحتاجون والمتضايقون. وواجبنا أن نساعد على إراحة الناس والتخفيف من مشقات الحياة وشقائها.

إنّ العمل الفعلي سيكون له تأثير أبعد في مداه من مجرّد إلقاء العظات. فعلينا أن نقدّم طعاماً للجياع وكساء للعراة وملجأ للمشرّدين. ثم إنّنا مدعوون لأن نفعل أكثر من هذا. فحاجات النفس لا يمكن أن تسدّها غير محبّة المسيا. فإذا كان المسيا ساكناً فينا فستمتليء قلوبنا بالعطف الإلهي. وستنفتح الينابيع المختومة ينابيع المحبة المسيحية الغيورة.

ويهوه لا يطلب فقط أن نقدّم عطايانا للمحتاجين بل يطلب أيضا أن تكون وجوهنا طلقة باسمة فرحة, وأن يكون كلامَنا باعثا على الرجاء وأن تكون مصافحتنا مشفقة. فالمسيا عندما شفى المرضى كان يضع يده عليهم. فكذلك علينا أن نختلط بمن نحاول أن نساعدهم.

يوجد كثيرون ممن قد فارقهم الرجاء. فعليكم بأن تعيدوا إليهم نور الشمس. وكثيرون قد ضاعت شجاعتهم فعليكم أن تحدثوهم بكلام يدخل الفرح إلى قلوبهم. صلّوا لأجلهم. ويوجد من هم بحاجة إلى خبز الحياة. فاقرأوا لهم من كلمة يهوه. وكثيرون نفوسهم سقيمة ولا يمكن لأي علاج أرضي أن يصل إليها ولا يستطيع أي طبيب أن يشفيها. فصلّوا لأجل هذه النفوس وأحضروهم إلى يهوشوه. وقولوا لهم انه يوجد بلسان في جلعاد ويوجد هناك طبيب.

إنّ النور هو بركة. بركة عامة يسكب كنزه على عالم غير شاكر ونجس وفاسد الأخلاق. كذلك الحال مع نور شمس البرّ. فالأرض كلها وهي ملتحفة بظلمة الخطية والحزن والألم يجب أن تستنير بمعرفة محبة يهوه. وهذا النور المنبثق من عرش السماء يجب أن لا تُحرم منه أية طائفة أو طبقة أو فريق من الناس.

ورسالة الرجاء والرحمة يجب أن تصل إلى أقصى الأرض. فأي من يريد يمكنه أن يمدّ يده ويمسك بقوة يهوه ويتصالح معه فيصطلح. ولا حاجة بالوثنيين إلى أن يلتحفوا بالظلمة, ظلمة منتصف الليل فيما بعد. فالظلمة تنقشع أمام أشعة شمس البرّ المتألقة. فلقد غلبت قوة الجحيم.

ولكن لا يمكن لإنسان أن يوزّع على الآخرين ما لم يحصل عليه. ففي عمل يهوه لا يمكن للبشرية أن تخلق شيئاً منه. فلا يمكن لإنسان بمجهوده أن يجعل ذاته حامل النور لأجل يهوه. فالزيت الذهبي المفرغ بأيدي رسل السماء في الأنابيب الذهبية ليصل من الطاس الذهبية إلى مصابيح القدس هو الذي أوجد نوراً دائماً ولامعاً ومضيئاً. ومحبة يهوه التي تُنقل إلى الإنسان بلا انقطاع تجعله قادراً على أن يوزع النور. إنّ زيت المحبة الذهبي يفيض بغزارة في قلوب كل من هم مرتبطون بيهوه بالإيمان لينير من جديد في الأعمال الصالحة, وفى الخدمة الحقيقية القلبية ليهوه.

إنّ كل موارد السماء مشتملةُُ في عطية الروح القدس العظيمة غير المحدودة. فالسبب الذي لأجله لا يفيض غنى نعمة يهوه تجاه الأرض للناس ليس هو أي تحديد من جانب يهوه. فلو أنّ الجميع يرغبون أن يأخذوا فالجميع سيصيرون ممتلئين بروحه.

إنّه امتياز لكل إنسان أن يكون قناة حيّة يمكن ليهوه بواسطتها أن يمنح للعالم كنوز نعمته, وغنى المسيا الذي لا يُستقصى. لا يوجد ما يرغب فيه المسيا قدر أن يجد اتباعا له يمثلون للعالم روحه وصفاته. ولا شيء يحتاجه العالم قدر إعلان محبة المخلص بواسطة بني الإنسان. وكل السماء تنتظر قنواتٍ فيها يمكن أن يُصبّ الزيتُ المقدسُ ليكون فرحاً وبركة لقلوب الناس.

لقد أعد المسيا كل ما يلزم حتى تكون كنيسته هيئة متجددة مستنيرة بالذي هو نور العالم وحائزة على مجد عمانوئيل. إنّه يقصدُ أن يكون كل مسيحي محاطا بجوّ روحي من النور والسلام. وهو يريدنا أن نُظهر فرحَه في حياتنا.

إنّ شمس البرّ تشرق و (( الشفاء في أجنحتها )) (ملاخي 4: 2). وهكذا سيشع من كل تلميذ أمين قوةُُ للحياة وشجاعةُُ ومعونةُُ وشفاءُُ حقيقي.

إنّ ديانة المسيا تعنى شيئاً أكثر من غفران الخطية, فهي تعني إبعاد خطايانا وملءَ الفراغ بهبات الروح القدس. وهي تعني الإنارةَ الإلهيةَ والفرحَ في يهوه. وتعني خلوّ القلب من الذات وحصوله على البركة بحلول المسيا الدائم فيه. ومتى ملك المسيا في النفس فهناك الطهارة والتحرر من الخطية. ويتمّ في النفس مجدُ تدبير الإنجيل وملؤه وكماله. وقبولنا للمخلص يُكسب النفسَ تألّقَ السلام الكامل والمحبة الكاملة واليقين الكامل. وإنّ جمال صفات المسيا ورائحتَه الزكيةَ الظاهرةَ في النفس تشهد بأنّ يهوه قد أرسل ابنه حقاً إلى العالم ليكون مخلّصاً له.

والمسيا لا يأمر تلاميذه أن يحاولوا أن ينيروا. ولكنّه يقول: ليضيء نوركم. فإذا كنت قد قبلت نعمة يهوه فالنور فيك. فإن أزلت الموانع سيعلن مجدُ يهوه. فالنور سيضيء مخترقاً أحشاء الظلمة ومبدداً غياهبها. ولن يمكنك إلاّ أن تنير ضمن نطاق تأثيرك.

إنّ إعلان المخلص لمجده في صورة البشرية سيقرّب السماء إلى الناس بحيث أنّ الجمال الذي يزيّن قدسَ الأقداسِ يُرى في كل نفس يسكن هو فيها. والناس سيُسْبون بمجد المسيا الساكن في النفس. وفى غمرة الحمد والشكر الذي تنطق به النفوس الكثيرة التي رُبحت ليهوه سيعود المجد إلى المُعطي الأعظم.

(( قومي استنيري لأنّه قد جاء نورك ومجد يهوه أشرق عليك )) (اشعياء 60: 1). إنّ هذه الرسالة موجهة إلى من يخرجون للقاء العريس. فالمسيا آتٍ بقوة ومجد عظيم. إنّه آتٍ بمجده ومجد الآب. وهو آتٍ وجميع الملائكة القديسين معه. فحين يكون العالم كلّه غارقاً في الظلام فسيكون نور في كل مساكن القديسين وسينتبهون لأول نور لظهوره الثاني. فالنور النقيّ سيضيء من بهاء المسيا. والمسيا الفادي سيُتعجب منه من جميع الذين خدمـوه. فحين يهرب الأشـرار من حضــرته سـيفرح تلاميـذ المسيا. إنّ أيّوب القديس الشيخ إذ نظر عبر الأجيال إلى المجيء الثاني للمسيا قال: (( الذي أراه أنا لنفسي وعيناي تنظران وليس آخر )) (أيوب 19: 27). لقد كان المسيا رفيقاً في كل يوم وصديقاً وعشيراً لكل تلاميذه الأمناء. لقد عاشوا على اتصال وثيق وفي شركة دائمة مع يهوه. فلقد أشرق عليهم مجد يهوه. وقد انعكس فيهم نور معرفة مجد يهوه في وجه يهوشوه المسيا. والآن هم يفرحون بالأنوار الساطعة أنوار بهاء مجد الملك في جلاله. وهم متأهبون لشركة السماء لأنّ السماء في قلوبهم.

وبأيادٍ مرتفعة, وبأنوار شمس البرّ المتلألئة والساطعة عليهم, وبفرحهم لأنّ فداءهم يقترب يخرجون للقاء العريس قائلين:(( هوذا هذا إلهنا انتظرناه فخلصنا )) (إشعياء 25: 9).

(( وسمعتُ كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة قائلة هللويا فإنّه قد ملك يهوه الإله القادر على كل شيء. لنفرح ولنتهلل ونعطِه المجدَ لأنّ عرس الخروف قد جاء وامرأته هيأت نفسها ... وقال لي اكتب طوبى للمدعوين إلى عشاء عرس الخروف )). (( لأنّه سيَد الأسيَداب وملك الملوك والذين معه مدعوون ومختارون ومؤمنون )) (رؤيا 19: 6 ـ 9؛ 17: 14).

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6005
11
11
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2019
01
16
Calendar App