10. نَزْعُ الْقِنَاعِ عَنِ الْعَقْلِ الـمدَبِّرِ
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

إن الرؤيا الشاملة التي أُعطِيت لإلن هوايت في لافِتس جروف بولاية أوهايو عام 1858 بسطت أمام عينها عصور الزمن الـممتدة. ومن أجل هذا فقط تُعَدّ الكتب الـمؤسسة على تلك الرؤيا من أهم الكتب على الإطلاق.

لكن هذه الرؤيا كانت هامة للغاية لسبب آخر: لأنها قد نزعت القناع عن العقل الـمدبر وفضحت عمل الشيطان نفسه وضلالاته وأساليبه.

بل هناك سبب ثالث حاسم لأهمية تلك الرؤيا: أنها قدّمت بوضوح فهما كاملا ومتناسقا للأحداث الأخيرة التي ستقع في كوكبنا الأرضي عن طريق إيضاح الصراع النهائي الـمقبل علينا والطرق الأساسية التي يخدع بها الشيطان الـملايين ويُوقِعهم في حبائله

في مطلع ربيع 1858 كانت إلن وجايمز مسافرين ثانية. وفي عطلة نهاية الأسبوع يوم 13 و14 مارس (آذار)، حضرا اجتماعات في لافتس جروف بولاية أوهايو. وبعد ظهر الأحد الرابع عشر من الشهر، قاد جايمز جنازة في مبنى الـمدرسة الذي انعقدت فيه الاجتماعات في عطلة نهاية الأسبوع قبل ذلك. وبعد إلقائه العظة، نهضت إلن لتلقي بعض كلـمات التعزية، وإذا بها تؤخَذ في رؤيا. وأثناء هذه الرؤيا التي طالت ساعتين لـم يغادر أحد الـمبنى وعُرِض على إلن منظر شامل للصراع العظيم بين الـمسيا والشيطان الذي امتد عبر عصور الخطية.

فشرعا في العودة إلى البيت في اليوم التالي بعد أن أوصيَت بتدوين الرؤيا كاملة. وفي القطار ناقشا الـمشروع وأعلنت هي عن عزمها على إعطاء الأولوية لكتابة الرؤيا.لكن رئيس الظلـمة ما كان ليسمح لـمثل هذا الـموضوع أن يُنشَر، فإنها قد أخبرت أثناء الرؤيا بما يلي:

((تلقّيت توجيها بأن أدونها. واُظهِر لي أنني سأصارع مع قوى الظلـمة لأن الشيطان سيبذل كل ما بوسعه ليعطّلني، ومع ذلك يجب أن أضع ثقتي في يهوه، فالـملائكة لن تتخلَّى عني في حومة الصراع)) (Life Sketches، ص 162).

وفي وقت لاحق من ذلك النهار، وصلا إلى جاكسون بولاية متشيجان في طريقهما إلى باتل كريك حيث كانا يسكنان. وباتا ليلتهما في بيت ((دانيال بالـمر)).

((أثناء حديثي مع الأخت ((بالـمر))، رفض لساني أن ينطق بما أردت أن أقوله، وكأنه فقد الحس. وأصاب قلبي إحساس بارد غريب، تسَّرب إلى رأسي ثم إلى جانبي الأيمن. فقدت حسي لوهلة، لكني تيقّظت لصوت صلوات حارة. حاولت تحريك أوصالي اليسرى، لكنها بقيت بلا حراك)) (Life Sketches، ص 162).

واستجابة لصلوات الآخرين الحارة أعيدت إليها عافيتها جزئيا إلى درجة مكنتهما هي وجايمز من متابعة السفر إلى بيتهما.

((كنت لا أقدر أن أكتب إلا صفحة واحدة في اليوم، ثم أستريح ثلاثة أيام، ولكن كلـما تقدمت في الكتابة ازدادت عافيتي. وبدا أن فقدان الحس في رأسي لـم يؤثر على صفاء ذهني، وقبلـما أنتهي من هذا العمل توقف تأثير الصدمة عليَّ تماما)) (Life Sketches، ص 163).

مع أن البشر يشعرون بالامتنان من أجل مثل هذه الـمشورات التي تفضح خطط الشيطان وترينا كيف نقاومها، إلا أن العقل الـمدبر نفسه صمم على محو الرسولة من الوجود كي لا تقوم بإبلاغ الرسائل.

لكن شكرا ليهوه، لأنه على الرغم من خطط الشيطان، كان يهوه يعمل على إنجاح مشيئته وتتميمها في نهاية الأمر.

((في حوليات التاريخ البشري، يبدو أن نمو الأمم ونشوء وسقوط الإمبراطوريات معتمد على مشيئة وقدرة الإنسان، ويبدو أن قوته وطموحه -أو قل نزواته- هي التي تصنع الأحداث. لكن في كلـمة يهوه ينزاح الستار جانبا ونرى الواحد الرحمان فوق ووراء وخلال بواعث الاهتمامات والقدرات والأهواء البشرية، ينفذ مقاصده بصبر وصمت لتحقيق مشيئته)) (الأنبياء والـملوك، صفحتا 499-500).

قـال أحد الناس الذين أجروا أبحاثا عن خلفية هذه الرؤيا ومضمونها:

((مرَّت أمامها عشرات الرؤى، لكن إلن نُقلَت هذه الـمرة إلى بُعد زماني غير محدد يتخطى حدود التاريخ، وجُعِلَت شاهدة على الحرب في السماء وعلى تمرد لوسيفر وسقوطه. ولـما شاهدت الـمأساة وهي تتكشَّف أمام ناظريها، وقفت مرتعبة ومصدومة من هول خيانة من كان قبلا ملاكا رفيع الـمقام)) (نوربرغِن، Prophet of Destiny،ص142).

كشفت هذه الرؤيا التي رأتها في الرابع عشر من مارس (آذار) 1858 تاريخ هذا العالـم وخطط الشيطان لتدمير الساكنين فيه.

دعونا نتأمل لعدة دقائق في الأفكار التي تسلـمتها إلن هوايت في رؤيا لافتس جروف. وطبعا يمكنك أيها القارئ أن تحصل على الـمزيد من الـمعلومات من قراءة كتبها التي لا زالت تُطبَع ويسهل شراؤها.

(أوردنا في صفحة 267 من هذا الكتاب كيفية طلب كتب إلن هوايت.)

في البدء

((يهوه محبة)) (1يوحنا 4: 16). إن طبيعته وناموسه أيضًا محبة. وهي كذلك منذ البدء وستظل كذلك إلى الـمنتهى … كل مظهر من مظاهر قدرته الخالقة هو تعبير عن الـمحبة اللامتناهية. إن سيادة يهوه تتضمن ملء البركات لجميع الـمخلوقات ... وكذلك تاريخ الصراع العظيم بين الخير والشر، منذ أن بدأ في السماء وحتى هزيمة الخطية واستئصالها نهائيا، هو أيضًا إعلان عن محبة يهوه التي لا تتغير)) (Patriarchs and Prophets، 33). (من الصفحة الأولى في الفصل الأول من أول كتاب في الخمسة كتب.) 

سقوط لوسيفر

((مع أن مجده كله كان من عند يهوه، بدأ هذا الـملاك الجبار يحسب أنه خاص بذاته. ولـما لـم يقنع بمنصبه، وهو أرفع من سائر جند السماء، غامر واشتهى الإجلال الخاص بالبارئ وحده. وبدلا من العمل على إعلاء يهوه في مشاعر وولاء كل الـمخلوقات، اجتهد ليضمن لنفسه عبادتها وولاءها... وهكذا فسد التناغم الكامل الذي كان يسود السماء... وفي الـمجلس السماوي ناشد الـملائكة لوسيفر، وبيَّن له ابن يهوه صلاح الباري وعدله وطبيعة ناموسه الـمقدس غير الـمتغير. فيهوه نفسه هو الذي أسس نظام السماوات، ولـما خالف لوسيفر هذا النظام أهان صانعه وألحق بنفسه الدمار. ولكن التحذير الذي قدّمه يهوه بمحبة ورحمة لا متناهية إنما أثار فيه روح الـمقاومة…

((وهكذا صار غرض رئيس الظلـمة أن يُشكِّك في سيادة ابن يهوه، وهذا إهانة لحكمة البارئ ومحبته. وقد كان مزمعا أن يسخِّر طاقات ذلك العقل الـمدبر لنيل تلك الـمآرب)) (Patriarchs and Prophets، الصفحتان 35-36).

لقد أدرك لوسيفر ما لا يدركه كثير من الناس اليوم: أن طبيعة يهوه تنعكس في القوانين التي يشرّعها لخلائقه، والهجوم على الواحد يعني الهجوم على الآخر. لذلك نشد الشيطان في السماء وكذلك على الأرض أن يقود الناس إلى عصيان ناموس يهوه الأبدي وبذلك يخطئون في حق صانعهم. إن زعيم الأبالسة هذا يعلـم خير علـم أن الناس لا يملكون الدفاع عن أنفسهم ضد الخطية إذا انجرفوا ووقعوا في أي من هاتين الضلالتين: (1) رفض الـمسيا، الوحيد الذي يقدر أن يغفر للناس ويعينهم على طاعة مشيئة يهوه. (2) رفض ناموس يهوه، وهو الـمعبّر عن مشيئة يهوه، على اعتقاد أن طاعته غير واجبة بعد. إن فهم هذا الـمبدأ الرئيسي يساعدنا في فهم الصراع العظيم الدائر بين الـمسيا والشيطان بأكمله.

((ترك لوسيفر مكانه في محضر يهوه الـمباشر وخرج ليبث روح الاستياء بين الـملائكة. كان يعمل بسرية عجيبة، وأخفى إلى حين غرضه الحقيقي تحت مظهر التبجيل ليهوه، محاولا أن يثير عدم الرضى عن الشرائع التي تحكم الخلائق السماوية،موعزا إليهم بأنها تفرض عليهم ضوابط لا داعي لها. ولـما كانت طبائع الخلائق مقدسة، أصرَّ هو على أن يطيعوا ما تمليه عليهم إرادتهم ... وادَّعَى أنه بطموحه إلى سلطان أعظم إنما لا يهدف إلى تعظيم ذاته، بل يريد أن يضمن الحرية لكل ساكني السماوات، حتى يبلغوا عن طريق ذلك حالة وجود أسمى)) (الصراع العظيم، ص 539). (يتوازى الفصل التاسع والعشرون من كتاب الصراع العظيم مع الفصل الأول من كتاب الآباء والأنبياء. كلاهما يوضحان سقوط لوسيفر من السماء.) 

((ألقى الشيطان بتبعة النزاع الذي أحدثه في السماء على شريعة يهوه وحكمه. وأعلن أن الشر جاء نتيجة سياسة يهوه وحكمه، وادَّعى أنه كان يهدف إلى إجراء تعديلات على وصايا يهوه. ولذا تعيَّن عليه إظهار طبيعة ادَّعاءاته وعرض نتائج التعديلات الـمقتَرحة في شريعة يهوه. فلابد أن يُدينه عمله، لأنه كان قد ادَّعى من البداية أنه ليس متمردا، فوجب أن يرى العالـم أجمع ذلك الـمخادع وقد نُزِع القناع عنه)) (الصراع العظيم، ص 542).

((إن لفي تمرد الشيطان عِبرة للعالـمين مدى الدهر، فهو شهادة دائمة لطبيعة الخطية وعواقبها الوخيمة. إن التطبيق العملي لحكم الشيطان وآثاره على الرجال والنساء معا يرينا ثمر طرح سلطة يهوه جانبا. وفي هذا شهادة على أن صلاح وخير الخلائق جمعاء مرتبط بوجود حكمه وشريعته. وهكذا أضحت هذه التجربة الـمريعة للتمرد رادعا دائما لكل الخلائق الـمقدسة)) (Patriarchs and Prophets، ص 42-43).

تكرار الصراع على الأرض

((هذه الروح نفسها التي أوعزت بالتمرد في السماء لا تزال توسوس بالعصيان على الأرض. لقد واصل الشيطان تعامله مع الناس بحسب السياسة ذاتها التي اتبعها مع الـملائكة. وروحه الآن تملك على أبناء الـمعصية، فهم مثله يحاولون هدم ضوابط شريعة يهوه ويَعِدون الناس بالحرية عن طريق التعدي على وصايا السيد ... ولكن عندما أخطأ الإنسان بانسياقه وراء غوايات هذا الروح الـمرتد، قدَّم يهوه برهانا على محبته، إذ بذل ابنه الوحيد ليموت عن جنسنا الساقط. ففي الكفارة انكشفت صفات يهوه. إن حجة الصليب الدامغة تعلن للكون بأسره أن حكم يهوه غير ملوم على الإطلاق على طريق الخطية الذي اختاره لوسيفر)) (الصراع العظيم، صفحتا 544، 545).

الحسيد عند الجلجثة

((إن الشيطان هو الذي حث العالـم على رفض الـمسيا. لقد بذل رئيس الشر قصارى جهده وقوته ودهائه لإهلاك يهوشوه، لأنه رأى أن رحمة الـمخلِّص ومحبته وحنانه وأحشاء رأفاته كانت ترسم للعالـم صفات يهوه.. فقد اندلعت نيران الحسد والخبث الحبيسة وتأججت ألسنة الكراهية وحب الانتقام عند صليب الجلجثة لتلتهم ابن يهوه، في حين حدقَّت السماوات في الـمشهد برعب وصمت)) (الصراع العظيم، ص 545،546).

نتائج الجلجثة

((وقد شوهد الآن أن حاكم الكون أقدم على أعظم تضحية يمكن للـمحبة أن تقوم بها في سبيل خلاص الجنس الساقط، ((يهوه كَانَ فِي الـمسيا مُصَالِحًا الْعَالـم لِنَفْسِهِ)) (2كورنثوس 5: 19)... لقد أظهر يهوه مقته لـمبادئ العصيان، ولقد رأت السماء كلها إعلان عدله في إدانة الشيطان وفي فداء الإنسان على السواء. كان لوسيفر قد أعلن أنه إذا كانت شريعة يهوه لا تتغير وجزاؤها لا يُغتَفر، فلابد للعاصي أن يُحرَم إلى الأبد من رضى الباري. وقد ادّعى أيضًا أن الجنس الخاطئ بعيد عن متناول الفداء، ولذلك حق له افتراسه. لكن موت الـمسيا كان حجة لا تُدحَض في صالح الإنسان… ليُعلِن للعالـمين أنه لا مُبدِّل لشريعة يهوه. فلو أمكن إغفال مطالبها، لـما لزم الأمر أن يسلـم ابن يهوه حياته كفارةً عن انتهاك الشريعة. فموت الـمسيا برهان على ثباتها وعدم تغيرها)) (الصراع العظيم، صفحتا 546، 547).

((سيُرَى عند التنفيذ النهائي للدينونة أنه لا يوجد مُسبِّب للخطيئة ... إن صليب الجلجثة،  فضلاً عن كونه يعلن ثبات الشريعة، يعلن أيضًا أن أجرة الخطيئة هي موت. فإن جرس موت الشيطان بدأ يدق لـما صاح الـمخلِّص وقال وهو يسلـم الروح: ((قد أُكمِل!)). فإن ذلك الصراع الهائل الذي احتدم أمدا طويلا بُتَّ فيه، وتأكَّد الاستئصال النهائي للشر. لقد اجتاز ابن يهوه بوابة القبر ((لِكَيْ يُبِيدَ بِالـموْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الـموْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ)). (عبرانيين 14:2). إن شوق لوسيفر لتعظيم ذاته قاده إلى القول: ((أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ يهوه ... أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ)) (إشعياء 14: 13-14). لكن يهوه يعلن: ((أُصَيِرُّكَ رَمَادًا عَلَى الأَرْضِ .. وَلاَ تُوجَدُ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ)) (حزقيال 28: 18-19). ((فَسيَأتِي الْيَوْمُ الـمتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ، وَكُلُّ الـمسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشًّا، وَيُحْرِقُهُمُ الْيَوْمُ الآتِي، قَالَ يهوه إله الْجُنُودِ، فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعًا)) (ملاخي 4: 1).

وسيكون العالـم أجمع شهودا على طبيعة الخطيئة وعواقبها. ثم إن استئصالها الكامل، الذي كان سيلقي الرعب في الـملائكة ويسيء إلى جلال يهوه ، سيبرهن على محبته ويؤكد جلاله على مشهد من العالـمين الذين يُسَرُّون بفعل مشيئته وشريعته في قلوبهم. ولن يعود الشر للظهور فيما بعد، فكلـمة يهوه تقول: ((لاَ يَقُومُ الضِّيقُ مَرَّتَيْنِ)) (ناحوم 1: 9). وشريعة يهوه التي ذمَّها إبليس وقال إنها نير عبودية، ستنال كرامة باعتبارها ناموس الحرية. أما الخليقة الـممْتَحنة والـمجرَّبة فلن ترتد ثانية عن ولائها لـمن ظهرت صفاته لها في صورة محبة لا يُسبَر غورها وحكمة لا محدودة على مرأى من الجميع)) (الصراع العظيم، صفحتا 547، 548).

ولكن كما سنرى عاجلا، فضحت تلك الرؤيا الهامة التي رأتها إلن هوايت في لافتس جروف الـمزيد من خطط الشيطان.

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
6
1
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
23
نتمنى لكم يوم رأس شهر مبارك.
Calendar App