7. رُؤْيَا شَامِلَةٌ لِلصرَاعِ عَلَى مَدَى الْقُرُون
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

كيف يكون الحال إذا شاهدت منظراً شاملاً للتاريخ، من قبل سقوط لوسيفر، مروراً بخلق أدم وحواء وعصر أنبياء العهد القديم، ووصولا إلى المسيا؟ وبعد ذلك ترى حياة الرسل، وتشاهد أخرهم - يوحنا - وهو يضع قلمه بعد فروغه من كتابة رؤياه. ثم تستمر إلى ما بعد ذلك، عبر القرون المبكرة، وتشاهد رِدة العصور المظلمة الكبرى وما جاء بعدها من إصلاح، وتواصل النظر وصولا إلى يومنا هذا؟ وبعد ذلك تُحمَل إلى مجد المجيء الثاني للمسيا وتشاهد الملك الألفي وهلاك الأشرار النهائي… والأرض الجديدة من بعد ذلك!

هذه هي الشهادة المكتوبة لنا فــي الخمس كتب التي تكوَّن (( سلسلة نزاع العصور)):

 ((الآباء والأنبياء)): من الأزل وحتى زمن داود. ((الأنبياء والملوك)) : من عهد سليمان إلى نهاية العهد القديم.(( مشتهى الأجيال)): من إعلان زكريا وحتى صعود المسيا. ((أعمال الرسل)) : من العليَّة إلى الرؤيـا.  (( الصراع العظيم)): منذ حصار أورشليم وخرابها إلى الأرض الجديدة والأبدية في كون يهوه الذي يعمه السلام.

إليكم بعينّات قليلة مما ستجدونه في تلك الكتب التي أثمرت فيها رؤيا لافِتس جروف إثماراً نهائياً: تاريخ هائل مكتوب لنقرأه أنا وأنت، فنتعلم عن يهوه وعن الاقتراب إليه والعيش معه وكيفية الاستعداد للخاتمة النهائية لتاريخ الأرض:

الخلق- ((وإذ خرجت الأرض من يد بارئها كانت آية في الجمال. وكان سطحها مُزدانًا بأنواع الجبال والتلال والسهول، وكانت تشقها أنهار عريقة وبحيرات بديعة. لكن الجبال والتلال لم تكن شديدة الانحدار والوعورة. كما لم تكثر بها المنحدرات الشاهقة والفجوات المرعبة مثل الآن. كانت الصخور المسننة الحادة الشعثاء مدفونة تحت التربة المثمرة التي طرحت نتاجاً وفيراً من الخضرة في كل مكان…..وعند كل منعطف كانت الشجيرات الخضراء والأزهار الرقيقة ترحب بالعين. أما المرتفعات فكانت مُكللة بالأشجار الباسقة التي لا يضارعها اليوم أى أشجار في الروعة)) (الأباء والأنبياء، ص 44).

في الجنة- ((كانت الملائكة تعودهما {آدم وحواء} وكان لهما حق الشركة مع صانعهما، من دون حجاب قاتم في الوسط. كانا ملآنين بالنشاط الآتي من شجرة الحياة، وكانت قدرتهما العقلية أقل من تلك التي للملائكة بنزر قليــل))  (ص50)

السقوط- ((اختار الشيطان أن يستعين بالحية لينفذ عمله دون أن يُلاحَظ، وقد لاءم هذا التنكر أغراضه المخادعة. وكانت الحية إذ ذاك من أحكم وأبهى المخلوقات على الأرض. كان لها أجنحة، وعندما تطير كان منظرها يبعث بهاءً  مبهراً للبصر، إذ كان لها لون الذهب المصقول ولمعانه)) (ص 53).

أخنوخ- ((ولكن بعد مولد ابنه الأول، وصل أخنوخ إلى اختبار أسمى، فانجذب إلى علاقة أوثق بيهوه. وأدرك إدراكاً أكمل واجباته الشخصية ومسئوليته كابن ليهوه. فلما رأى محبة الابن لأبيه وثقته البسيطة في حمايته، ولما أحس بإرهاف قلبه العميق المشتاق إلى ابنه البكر، تعلم درسا ثميناً عن محبة يهوه العجيبة للبشر المتمثلة في عطية ابنه، والثقة التي بها يستريح أبناء يهوه في أبيهم السماوي. وصارت محبة يهوه اللانهائية التي لا يُسبَر غورها موضوع تأملاته نهاراً وليلاً، وبكل حرارة نفسه سعى أن يذيع هذا الحب على الناس الذين سكن بينهم))     (ص 84).

انتقاله- ((سخر رجال ذلك الجيل من ذاك الذي لم يسعَ إلى جمع الذهب والفضة أو تكديس الأموال هنا. كان قلب أخنوخ منصباً على الكنوز الأبدية. لأنه نظر المدينة السماوية، ورأى الملك في مجده وسط صهيون. كان فكره وقلبه وحديثه في السماء. وعلى قدر ما تفاقمت آثام الناس التهب قلبه شوقاً إلى مسكن يهوه. ومع أنه كان لا يزال على الأرض فبالإيمان كان يسكن في ديار النور. ((طُوبَى لْلأَنْقِيَاءِ الْقلْبِ، لانهُمْ يُعَاينُونَ يهوه)) ( متى 5: 8). سعى أخنوخ في إثر نقاء النفس مدة ثلاثمائة قرون. وكان في انسجام مع السماء. لقد سار مع يهوه ثلاث مئة سنة. وكان يرنو إلى اتحاد أوثق مع يهوه يوماً بعد الآخر، وتوطدت الشركة ونمت أكثر فأكثر، حتى أخذه يهوه إلى نفسه. لقد وقف على أعتاب العالم الأبدي، على بعد خطوة واحدة من أرض المغبوطين. والآن - وبعد أن انفتحت الأبواب - استمر في سيره مع يهوه، بعد أن دأب على ذلك في الأرض طويلاً، فمر عبر الأبواب إلى المدينة المقدسة، فكان أول من ولج إلى هنـاك من البشــر)) ( ص87 ).

الأرض قبل الطوفان - (( في أيام نوح استقرت على الأرض لعنة مضاعفة نتيجة لتعدى أدم وجريمة القتل التي ارتكبها قايين. لكن ذلك لم يغير وجه الطبيعة. كانت الأدلة على الانحلال واضحة، لكن كانت الأرض لم تزَل جميلة وغنيـة بكل عطايا العناية الإلهية . كانت التلال مكللّة بالأشجار الباسقة، التي تحمل أغصان الكرمة المحمَّلة بالثمر. وكانت السهول الشاسعة مكتسية بالسندس كالبساتين، ويفوح منها عبق آلاف الأزهار الذكية. بينما تعددت ألوان الفاكهة وأشكالها دونما حدود. أما الأشجار ففاقت في الحجم والجمال والتناسق الكامل كل ما نعرفه اليوم من أشجار. كان خشبها شديد الصلابة ذا حبيبات دقيقة، فكان كثير الشبه بالصخر ولا يقل عنه في التحمل إلا قليلا. أما الذهب والفضة والأحجار الكريمة فكانت توجد بوفرة)) (ص90).

اكتمال الفلك - (( كانت فترة إمهالهم قد أوشكت على الانتهاء. أما نوح فاتبع التعليمات التي تلقاها من يهوه بأمانة.  واكتملت جميع أجزاء الفلك كما أوصى السيد، وخُزَّنت فيه أطعمة للإنسان والحيوان. ثم ناشد عبد يهوه الناس للمرة الأخيرة. وتضرع إليهم برغبة أليمة لا توصف أن يطلبوا الملجأ ما دام يوجد. فرفضوا كلامه مرة أخرى، وتعالت أصواتهم بالسخرية والاستهزاء. وفجأةَ وقع على الحشد المستهزي صمت رهيب، إذ أبصروا الحيوانات على أصنافها، الضاري منها والأليف، تأتى من الجبال والغابات وتشق طريقها بهدوء صوب الفلك. وسُمِع صوت كما من ريح عاصفة، وإذ بالطير تتقاطر أسراباً أسراباً من كل حدب وصوب، حتى اعتمَّت السماء من أعدادها، وولجت إلى الفلك بنظام تام. أطاع الحيوان أمر يهوه، أما الإنسان فعصى…

كفَّت الرحمة عن الابتهال من أجل المذنبين. ودخلت بهائم الحقل وطيور الهواء إلى موضع الملجأ. كان نوح وأهل بيته داخل الفلك ((وَِأغْلقَ يهوه عَليْهِ)). وشوهد وميض مبهر للأبصار، وهبطت من السماء سحابة مجدٍ أشد لمعاناً من البرق، وحومَّت حول مدخل الفلك. وإذ بيدين غير منظورتين أدارا الباب الضخم، الذي استحال على من ..بالداخل إغلاقه، فارتد إلى مكانه ببطء. أغلِق على نوح في الداخل، أما رافضو يهوه فأغلِق عليهم بالخارج)) ( ص 97 – 98 ).

مجيء الطوفان - ((اشتد قتام السماوات أكثر فأكثر. هامت الحيوانات على وجهها في رعب وهياج… ثم ((انْفَجَرَتْ كُل يَنَابيع الْغَمْر الْعَظِيِم وَانْفَتَحَتْ طاقاتُ السمَاءِ)). انهمرت المياه من السحب على هيئة شلالات عاتية، وفاضت الأنهار فتعَّدت حدودها، وأغرقت الوديان. انفجرت من الأرض نوافير مياه بشدة لا توصف، فألقت بالأحجار الهائلة في الهواء مسافة تُقدَّر بمئات الأقدام، فسقطت مرة أخرى على الأرض وغاصت فيها إلى أغوار بعيدة.أبصر الناس أولاً دمار أعمال أيديهم، إذ حطم برق من السماء أبنيتهم البديعة وحدائقهم وبساتينهم الغنَّاء حيث كانت أصنامهم موضوعة، وتبعثر حطامها هنا وهناك. وتهدمت المذابح التي كان يُقدَّم عليها ذبائح بشرية….

ولما اشتد عنفوان العاصفة، قذف بالأشجار والمباني والأحجار والتراب في كل اتجاه… وفوق هدير العاصفة سُمِع نواح أناس احتقروا سلطان يهوه. والشيطان ذاته، الذي أجبر على البقاء في حومة عناصر الطبيعة المتصارعة، خاف على وجوده من الفناء. كان قد لذ له السيطرة على مثل هذا الجنس الجبار،  ورغب أن يعمّروا ليمارسوا رجاساتهم ويواصلوا عصيانهم ضد حاكم السماوات…ولما تُعرَّضت الحيوانات للعاصفة الهوجاء، انطلقت صوب الإنسان وكأنها تنتظر منه العون. فربط بعض الناس أولادهم وأنفسهم فوق حيوانات ضخمة، لعلمهم بأنها ستتشبث بالحياة وتتسلق أعلى الذرى هرباً من المياه المرتفعة. بينما أحكم البعض ربط أنفسهم إلى أشجار عالية على قمم التلال أو الجبال، لكن الأشجار اقُتلعَت من جذورها وطرحت بما عليها من البشر إلى اللجج المتأججة. فهجروا كل بقعة لجأوا إليها طالبين السلامة. ولما ارتفعت المياه أعلى وأعلى التجأ الناس إلى الجبال الشاهقة. وكثيراً ما تصارع الناس والحيوانات على موطئ قدم، حتى أنجرف كلاهما معا)) (ص99-100).     

أثار الطوفان- (( ظهرت الأرض بمظهر من الارتباك والخراب يستحيل على الوصف. فالجبال بعد جمالها وتناسقها الكامل تكسرت وتضعضت.. وفى مواضع عدة تلاشت الجبال والتلال تماما، فلم يبق لها أثر، والسهول حلت محلها سلاسل جبلية. كانت هذه التغيرات ملحوظة في مواضع أكثر من سواها، فحيث وُجِدت أغنى كنوز الأرض من ذهب وفضة وأحجار كريمة، ظهرت أشد علامات اللعنة. ولكن في البلدان غير الآهلة بالسكان والتي قلت فيها الجريمة عما عداها، كان حلول اللعنة أخف.

في ذلك الوقت دُفِنَت غابات هائلة، وهى التي تحَّولت بعد ذلك إلى فحم، وكوَّنت طبقات الفحم الواسعة الموجودة الآن، وكذلك كميات ضخمة من النفط. وكثيراً ما يشتعل الفحم والنفط ويحترقان تحت سطح الأرض فتَحمَى الصخور وتحترق الأحجار الجيرية وتنصهر عروق الحديد. ويزيد تفاعل المياه مع الجير من ضراوة الحرارة الشديدة، فتحدث زلازل وبراكين وإفرازات نارية. وحين تحتك النار والماء بأفاريز الحجارة وعروق المعادن، تحدث انفجارات قوية تحت الأرض.. تتبعها فورانات بركانية. وإذ لا تستطيع هذه، في الغالب، أن توفر مخرجاً كافياً للعناصر الساخنة، فالأرض نفسها تهتز وتعلو التربة وتهبط وتجيش كأمواج البحار، فتظهر فيها تصدعات هائلة.. وستتوالى هده الظواهر العجيبة والرهيبة في تتابع متقارب قبيل مجيء المسيا ثانية ونهاية العالم، علامة على دماره العاجل )) ( ص 108 – 109 ).

امتحان إيمان إبراهيم- (( اقترب ذلك اليوم - الذي كان أطول يوم اختبره إبراهيم - ببطء من نهايته. وبينما كان ابنه والغلامان نياما، أمضى هو الليل في الصلاة، على أمل أن يأتيه رسول سماوي ويخبره بأن الاختبار قد اكتمل، وأن الصبي سيعود إلى أمه ولم يمسسه أذى، لكن نفسه المعذبة لم يأتِها الفرج. نهار طويل آخر وليلة طويلة أخرى من التواضع والصلاة، بينما كان الأمر الذي قضى بحرمانه من ابنه يطن في أذنيه طوال الوقت! كان الشيطان قريبا ليوسوس في صدره بالشك والكفر، أما إبراهيم فقاوم إيحاءاته. وإذ كان على وشك الشروع في رحلة اليوم الثالث، نظر الأب في اتجاه الشمال وأبصر العلامة الموعودة، سحابة مجد تحوم فوق جبل المريا، وعلم أن الصوت الذي كلمه كان من السماء.

حتى الآن لم يتذمر على يهوه، بل شدد نفسه بالتأمل في دلائل جود السيد وأمانته. فابنه هذا قد أعطِى له دون توقع منه، أليس لواهب العطية الثمينة الحق في اســتردادها؟ حينئذ بالإيمان كرر ذلك الوعد القائل: (( بِإسْحَاقَ يُدْعَى لكَ نَسْلٌ)) وهو نسل لا يُحصى عدده كحبات الرمل على شاطئ البحر. كان إسحاق ابن معجزة، أفلا يمكن للقوة التي وهبته الحياة أن تعيدها إليه؟ نظر إبراهيم إلى ما وراء المنظور، واستوعب القول الإلهي: (( إذْ حَسِبَ أن يهوه قادِر عَلَى الإقامة مِنَ الأمْوَاتِ أيْضاً )) ( عبرانيين 11: 19).

لكن لم يقدر أحد غير يهوه أن يستوعب مقدار تضحية الأب إذ أسلم ابنه إلى الموت، وفعلا كانت رغبة إبراهيم أن لا يرى أحدٌ مشهد الوداع سوى يهوه وحده.. ثم تكلم إسحاق أخيرا فقال: (( يَا أبى… هُوَذَا النَارِ وَالْحَطَبُ، ولكن أيْنَ الْخَرُوفُ لِلمحْرَقةِ؟)) ياله من امتحان! ولكم اخترقت عبارة(( يا أبى)) المحببة قلب إبراهيم! لكن الوقت لم يكن قد حان بعد لإخباره. لا ليس الآن! فقالَ إبْرَاهِيمُ: (( يهوه يَرىَ لهُ الْخَرُوفَ للمحْرَقةِ يَا ابْنِي )) ،وبنيا المذبح في المكان  المعين له، ووضعا  عليه الحطب. ثم أطلع إبراهيم ابنه –بصوت متهدج- على الرسالة الإلهية. استولى على إسحاق رعب ودهشة إذ علم مصيره، لكنه لم يُبدِ أية مقاومة. كان بمقدوره الفرار من قدَره، ولو اختار أن يفعل ذلك لما كان الأب العجوز، الذي أنهكه الصراع وكسر قلبه الحزن، لما كان قاوم رغبة ابنه الشاب الفتي. لكن إسحاق كان قد تمرن منذ طفولته على أن يكون مستعدا وواثقا ومطيعا، وإذ  تكشف أمامه قصد يهوه، استسلم في  خضوع إرادي. فشارك إبراهيم في إيمانه)) ( 151- 152).

بحر سوف- (( وَتبعَهُمُ المصْريونَ وَدَخَلُوا وَرَاءهُمْ. جَمِيعُ خَيْلِ فِرْعَوْنَ وَمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسْانِهِ إلى وَسَطِ الْبَحْر. وَكَانَ في هَزيع الصبْح أن يهوه أشْرَفَ عَلَى عَسْكَر المصْريينَ في عَمُودِ النار وَالسحَابِ، وَأزْعَجَ عَسْكَرَ المصْريينَ)). تحولت السـحابة الغامضة [التي أظلمت عليهم ليلتها] إلى عمود نار أمام أعينهم المندهشة.وقصف الرعد وأبرق البرق. ((سَكَبَتِ الْغُيُومُ مِيَاهاً، أعْطَتِ السٌحُبُ صَوْتاً. أيْضاً سِهَامُكَ طارَتْ. صَوْتُ رَعْدِكَ في الزوْبَعَةِ. الْبُروُقُ أضاَءَتِ المسْكُونَة. ارتْعَدَتْ وَرَجَفَتِ الأرض)). ( مز 77- 17- 18 ).

استولى على المصريين حيرة وفزع. ووسط حنق عناصر الطبيعة، التي سمعوا عن طريقها صوت يهوه غاضباً، حاولوا العودة إلى أدراجهم والهرب إلى الشط الذي فارقوه. لكن موسى مد عصاه فاندفعت المياه المتراكمة تئِزّ وتهدر متشوقة لفريستها، فابتلعت جيش المصريين في أعماقها الغائرة.

وعند انبلاج الصبح تبينَّ لجموع إسرائيل كل ما تبقى من خصومهم العتاة.. جثث متسلحة بالدروع ملقاة على الشط. أتت ليلة واحدة لا سواها بالنجاة من خطر رهيب حاق بهم.

إن الدرس العظيم المستفاد هنا يشمل الزمان كله. فحياة المسيحي كثيراً ما تحاط بالمخاطر، ويبدو أنه من الصعب عليه القيام بواجبه. ويصور له الخيال دماراً وشيكاً من الأمام، وعبودية أو موتاً من الخلف. لكن صوت يهوه يتردد بوضوح، قائلاً: (( إلى الأمام)) وحريّ بنا أن نطيع هذا الأمر، على الرغم من أن عيوننا لا تخترق حجب الظلام، وأقدامنا تشعر بالأمواج الباردة حولها. إن العقبات التي تعرقل تقدمنا لا تختفي أبداً أمام روح شكاكة متعثرة.. يحضنا الإيمان على التقدم بشجاعة، راجين كل شئ ومصدقين كل شئ.

إن السحابة التي كانت حائط ظلام للمصريين، كانت للعبرانيين فيضاناً عظيماً من النور، سطع على المحلة بأسرها، وأشرق بضوئه على الدرب الذي يتقدمّهم. وهكذا نرى أن معاملات العناية الإلهية تأتى لغير المؤمن بالظلام واليأس، وأما للنفس الواثقة المؤمنة فهي مليئة بالنور والسلام. ربما يقع الدرب الذي يقودك يهوه فيه عبر صحار وبحور، لكنه درب آمن)) ( ص287-288، 290 ).

الحية النحاسية– (( لما رفع موسى الحــية [ النحاسية ] على العصا، لم يؤمن البعض أن مجرد النظر إلى الصورة المعدنية سيشفيهم. فهلك هؤلاء في عدم إيمان. ومع ذلك آمن الكثيرون بما ذخره يهوه لهم فانشغل الآباء والأمهات والأخوة والأخوات بمساعدة أصدقائهم المعذَّبين المحتَضَرين ليثبتوا عيونهم الواهنة على الحية. ومع وهن هؤلاء وإشرافهم على الموت، كانوا يبرأون تماما بمجرد النظر مرة واحدة.

كان الشعب على علم بعدم وجود قوة في الحية النحاسية تحدث مثل هذا التغيير في من ينظر إليها، فإن القوة الشافية هي من عند يهوه وحده.. يهوه وحده هو القادر أن يشفيهم. لكنه طلب منهم أن يظهروا إيمانهم بما أعده لهم. ينبغي أن ينظروا ليحيوا.. أشارت تلك النظرة إلى الإيمان. إنهم قد عاشوا لأنهم صدقوا قول يهوه، ووثقوا في الوسيلة التي أعدها لشفائهمٍٍ. كذلك يقدر الخاطئ أن ينظر إلى المسيا فيحيا.. لكن يجب أن نأتي إليه، وحين نتوب عن خطاياناً، يجب أن نؤمن أنه يقبلنا ويصفح عنا. الإيمان هو عطية من يهوه، لكن القدرة على ممارستها هي من عندنا نحن. الإيمان هو اليد التي بها تُمسِك النفس بما يقدمه لنا يهوه من نعمة ورحمة.

لا يرغب الكثيرون في قبول المسيا حتى يتضح لهم كل سر خطة الخلاص. يرفضون نظرة الإيمان مع أنهم يرون أن آلافا قد نظروا، وشعروا بقوة تأثير النظر، إلى صليب المسيا. يتيه الكثيرون في متاهات الفلسفة بحثا عن أسباب ودلائل لن يجدوها أبداً، وهم مع ذلك يرفضون الدليل الذي رضى يهوه أن يقدمه لهم. ويرفضون السير على ضوء شمس البر حتى يُفسَّر لهم سبب إشراقها. إن كل من يرفضون على هذا النحو سيعجزون عن الوصول إلى معرفة الحق. فإن يهوه لن يزيل كل مُسّبب للشك، بل يقدم دليلاً كافياً لنبني عليه إيماننا، فإذا لم نقبل هذا يُتَرَك الذهن في ظلام. لو أن من لدغتهم الحيات توقفوا ليشكَّوا ويتشككوا قبل أن يوافقوا على النظر، لكانوا هلكوا. إن واجبنا الأول هو أن ننظر، ونظرة الإيمان تهبنا الحيـاة))    (ص 430-432).

بطرس والأمواج- ((لقد هاجمتهم عاصفة هوجاء ولم يكونوا متأهبين لها. كان ذلك تغييرا مفاجئا لهم لأن طقس ذلك اليوم كان جميلا، فعندما هاجمهم ذلك النوء خافوا. فنسوا نفورهم وعدم إيمانهم وضجرهم. وكان كل منهم يعمل جاهدا حتى لا تغوص السفينة في أعماق المياه. كانت المسافة قصيرة للذهاب بحرا من بيت صيدا إلى المكان الذي كانوا ينتظرون أن يقابلوا يهوشوه فيه، وفى الطقس العادي لا تستغرق الرحلة غير ساعات قليلة، أما الآن فقد ساقتهم الرياح بعيدا جدا عن المكان الذي كانوا يقصدونه. فظلوا يكافحون حتى جاء الهزيع الرابع من الليل وهم يجدفون. وحينئذ استسلم أولئك الرجال لليأس من الحياة والنجاة. ففي وَسط العاصفة والظلام علمهم البحر أنهم عاجزون تماما فاشتاقوا إلى حضور معلمهم.

أما يهوشوه فلم ينسهم. إن ذلك الرقيب الواقف على الشاطئ رأى أولئك الرجال المذعورين وهم يصارعون تلك العاصفة الهائلة. إن تلاميذه لم يغيبوا عن نظره لحظة واحدة. بل كانت عيناه تتبعان بقلق عميق تلك السفينة في مهب الريح بحمولتها الغالية الثمينة. لأن هؤلاء الرجال سيكونون نور العالم. فكما تراقب الأم طفلها الصغير في حنان وحب كذلك كان السيد الرحيم يراقب تلاميذه. فلما أخضعت قلوبهم وخمد طموحهم العالمي، وبكل تواضع صلوا طالبين النجاة، أعطيت لهم.

في اللحظة التي فيها كانوا يعتقدون أنهم لا محالة هالكون، ظهر نور انكشف عن شبح غامض يدنو منهم فوق الماء. ولم يكونوا يعلمون أنه يهوشوه. فذاك الذي خف إلى نجدتهم ظنوه عدوا فشملهم الرعب. فالأيدي التي كانت تقبض على المجاديف بقبضة من فولاذ تركتها تفلت من قبضتها، فصارت السفينة تهتز كما تشاء الأمواج. وقد حملقوا في شبح ذلك الإنسان الذي كان يسير فوق اللجج المزبدة في ذلك البحر المضطرب.

لقد ظنوه خيالا ينذر بهلاكهم. فمن الخوف صرخوا، فتقدم يهوشوه سائراً إلى الأمام كأنما يريد أن يتجاوزهم، ولكنهم  إذ عرفوه صرخوا إليه في طلب العون. وهنا يلتفت إليهم معلمهم المحبوب وبصوته الرقيق يسكن مخاوفهم قائلاً لهم: (( تَشَجعُوا ‍! أنا هُـــوَ. لاَ تَخَافُوا )) ( متى 14: 27).

وحالما أيقنوا بتلك الحقيقة العجيبة، كاد السرور يذهب بعقل بطرس. وكما لو كان غير مصدق بعد، صرخ قائلاً:(( يَا سَيدُ، إنْ كُنْتَ أنْتَ هُوَ، فمرني أنْ آتِىَ إليْك عَلَى الماءِ)). فقال له: (( تَعَالَ)) (متى 14: 28، 29).

فإذ كان بطرس ينظر إلى يهوشوه كان يمشى على الماء مطمئناً، ولكنه إذ ينظر إلى الوراء إلى أخوته كمن هو معجب بنفسه، كانت تتحول عيناه عن المخلص. إن العاصفة كانت لا تزال على أشدها، والأمواج تعلو وتفصل بينه وبين سيده فيخاف. ولمدة لحظة يغيب المسيا عن نظره، فيخذله إيمانه ويبتدئ يغرق. لكن إذ ترتفع الأمواج من حوله منذرة إياه بالموت، يرفع بطرس عينيه بعيداً عن المياه الصاخبة، وإذ يثبت نظره في يهوشوه يصرخ قائلاً: (( يَا سيد، نَجَنِى !)) (متى 14: 30 ). ففي الحال يمسك يهوشوه بيده الممدودة قائلاً له: (( يَا قلِيلَ الإيمان، لماذا شكَكَتَ؟ )) ( متى 14: 31).

وإذ يسيران معا جنبا إلى جنب ويد بطرس في يد سيده ينزلان في السفينة معا. أما بطرس فكان مغموراً صامتاً، لأنه لم يكن هنالك ما يدعوه للافتخار على زملائه، إذ بسبب عدم إيمانه وتعظيمه لنفسه كاد يموت. حيث أنه حين حول عينه بعيداً عن يهوشوه لم تثبت خطواته وابتدأ يغوص في وسط الأمواج.

عندما تهجم علينا المتاعب والضيقات، فما أقربنا شبها إلى بطرس! إننا ننظر إلى الأمواج بدلا من أن نثبت أنظارنا على مخلصنا. حينئذ تنزلق خطواتنا فتطغى على نفوسنا المياه الطامية.إن يهوشوه لم يأمر بطرس أن يأتى إليـه لكي يـهلك؟ وهو لا يأمرنـا باتباعـه ثم يتركنا )) ( مشتهى الأجيال، ص 353-355 ).

في الطريق الى عمواس- (( وفيما كانوا سائرين غربت الشمس، وقبل وصول المسافرين إلى مكان راحتهم ترك الفعلة المشتغلون في الحقول عملهم. وإذ كان التلميذان مزمعين أن يدخلا بيتهما تظاهر الغريب بأنه يريد أن يواصل السفر إلى مكان أبعد. ولكن التلميذان أحسا بقوة تجذبهما إليه. فلقد كانت نفساهما جائعتين لسماع المزيد من كلامه، فقالا له: ((امْكُثْ مَعَنَا)) ولم يكن يبدو عليه أنه قد قبل دعوتهما. فألحا عليه قائلين: (( لأنَهُ نَحْوُ المسَاءِ وَقدْ مَالَ النَهَارُ ))، فأجاب المسيا طلبهما (( فدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمُا )) (( لوقا 24: 29).

لو أن التلميذين لم يلحاّ في دعوتهما لما كانا قد عرفاً أن رفيقهما في السفر هو السيد المقام. إن المسيا لا يفرض نفسه أبداً على أي إنسان. إنه يهتم بمن يحتاجون إليه. إنه بكل سرور يدخل أحقر بيت ليُفِرح أشد القلوب تواضعاً. أما إذا كان الناس عديمي الاكتراث بحيث لا يفكرون في الضيف السماوي ولا يسألونه أن يمكث معهم، فهو يتحول ويعبر. وهكذا يخسر كثيرون خسارة عظيمة. إنهم لا يعرفون المسيا كما لم يعرفه ذانك التلميذان وهو سائر معهما في الطريق.

وسرعان ما أعِد طعام العشاء البسيط من الخبز، ووُضع أمام الضيف الذي أخذ مكانه على رأس المائدة. والآن ها هو يبسط يديه ليبارك الطعام. وإذا بالتلميذين يتراجعان في دهشة، ثم إذ ينظران إلى يديه ثانية يريان فيهما أثر المسامير. فيصيحان كلاهما في الحال: (( إنه السيد! لقد قام من الأموات !))

وإذ يقومان ليخرا عند قدميه ويسجدا له، يختفي عن نظرهما. ثم ينظران إلى المكان الذي كان يجلس فيه ذلك الذي كان جسمه مدفوناً في القبر منذ عهد قريب، ويقول أحدهما للآخر: (( ألم يَكُنْ قلْبُنَا مُلْتهِباً فِينَا إذْ كَانَ يُكَلمنَا في الطَّريق ويَوُضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟ )) ( لوقا 24: 32).

ولكن إذ حصلا على هذا الاختبار الجميل وصار عندهما هذا الخبر المفرح ليبلغاه، لم يستطيعا الجلوس ليتحدثاً معا، بل ما عاداً يحسان بالجوع أو الإعياء، فتركا الطعام دون أن يذوقا منه شيئا، وإذ يمتلئ قلباهما فرحاً يخرجان توا عائدين في نفس الطريق التي قدما منها متجهين إلى أورشليم، مسرعين ليخبروا التلاميذ في المدينة بما رأياه وسمعاه. في بعض أجزاء الطريق لم يكن السير مأموناً، ولكنهما يتسلقان الأماكن الشديدة الانحدار، وكانت أرجلهما تنزلق على الصخور الملساء.إنهما لا يريان ولا يعرفان أنهما في حراسة  ذاك الذي كان سائراً معهما في نفس الطريق. وإذ يمسك كل منهما عصاه ليتوكّأ عليها جعلاً يحثان الخطى وهما يتمنيان لو يسرعان في السير. ومع أنهما كانا يضلان الطريق بعض الوقت فإنهما يعودان إليه ثانية. أحياناً كانا يركضان وأحيانا أخرى كانا يتعثران ولكنهما كانا دائماً يجدّان في السير، وكان رفيقهما غير المنظور بجانبهما دائماً.

الليل حالك الظلمة ولكن شمس البر يشرق عليهما بنوره. إن قلبيهما يكادان يقفزان من شدة الفرح، ويبدو وكأنهما من عالم جديد. إن المسيا مخلص حي. ما عادا ينوحان عليه كمن هو ميت. لقد قام المسيا!- وهما يرددان هذا القول مرارا عديدة. هذه هي الرسالة التي يحملانها إلى التلاميذ النائحين المحزونين. ولابد أن يخبراهم بتلك القصة العجيبة.. قصة السير إلى عمواس، ولابد أن يخبراهم عمَّن كان رفيقا لهما في السفر. إنهما يحملان أعظم رسالة أعطيت للعالم، رسالة بشرى مفرحة عليها تتوقف آمال الأسرة البشرية في الزمن الحاضر وفى الأبدية )) ( مشتهى الأجيال 755-757 ).

خراب أورشليم– (( وأخيرا قرر تيطس الاستيلاء على الهيكل بالهجوم عليه. ومع ذلك فقد عزم أنه بقدر الإمكان ينبغي أن يُحفَظ الهيكل من الدمار. لكن أوامره أهمِلَت. فبعدما أوى إلى خيمته ليلا خرج اليهود من الهيكل وهاجموا الجنود في الخارج. وفى أثناء الهجوم ألقى أحد الجنود الرومان شعلة من النار في الهيكل من خلال فتحة، فاشتعلت النار في الحال في كل حجرات الهيكل المبطنة بخشب الأرزْ. فاندفع تيطس إلى هناك يتبعه قواده وجنوده وأمر بأن يطفئوا لهيب النار، لكن أوامره أغفِلَت إذ أن أولئك الجنود في حُمُو غضبهم ألقوا بشعلات نار في الحجرات المجاورة للهيكل ثم قتلوا بحد السيف اليهود الذين جاءوا ليحتموا فيه. وقد جرت الدماء على درج الهيكل كالماء. وهلك من اليهود آلاف فوق آلاف. وفوق ضجيـج المعركـة سُمِعَت أصـــوات تصيح (( إيخابود )) – قد زال المجد.

يقول ((ملمان)) في كتابه المسمى ((تاريخ اليهود))، المجلد السادس عشر: ((لقد وجد يتطس أنه يستحيل عليه أن يوقف غضب جنوده عند حده، فدخل في صحبه ضباطه وعاين ذلك الهيكل المقدس من الداخل. وقد ملأهم جلاله وبهاؤه دهشة، وإذ لم تكن النيران قد نفذت إلى القدس بذل يتطس جهد لإنقاذه، فوثب إلى الأمام وأمر جنوده مرة أخرى أن يوقفوا تقدم الحريق. وقد حاول ((ليبراليس)) قائد المائة أن يرغم الجنود على الطاعة إذ أبرز قضيب رتبته أمامهم، ولكن حتى احترام الإمبراطور سقط أمام حقد الرومان الشديد على اليهود، مما زاد من هول المعركة، ومن النَّهَم إلى السلب والنهب. وقد رأى الجنود كل ما حولهم يتلألأ في بريق الذهب الذي كان يخطف الأبصار بلمعانه على ضوء اللهيب المشتعل، فظنوا أن كنوزا لا تُحصَى مخبوءة في المقدس. وإذ بجندي لم يلحظه أحد يدخل ويقذف بمشعل ملتهب من فتحة في الباب، فاشتعلت فورا النار في كل البناء. واضطر الجنود أن يتراجعوا أمام وهج النار والدخان الذي كاد يعميهم، وهكذا تُركِ ذلك البناء الفخم إلى مصيره.

((كان منظرا مرعبا للرومان، فما عساه يكون لليهود! كل قمة التل المشرف على المدينة اشتعل كالبركان. وقد انهارت وتهدمت المباني واحدا في إثر الآخر، بصوت تحطيم هائل، فابتلعتها الهوة المشتعلة بالنار. والسقوف المصنوعة من خشب الأرز المموهة بالذهب أضاءت في هيئة حِراب من النور الأحمر.  والأبراج المقامة على الأبواب قذفت إلى أعلى أعمدة من اللهب والدخان، فأثار ذلك الحريق التلال المجاورة. وكانت توجد جماعات من الناس ملتحفة بالظلام ترقب في جزع عظيم تقدم النار والخراب. امتلأت الأسوار والمرتفعات بوجوهٍ بعضها شاحب من فرط اليأس، والبعض الآخر جَهِمَ لعدم جدوى الانتقام. هذا وإن صيحات جنود الرومان وهم يروحون ويجيئون، وصرخات الثوار الذين كانت تلتهمهم النيران اختلطت بحسيس الحريق وأزير الأخشاب المحترقة المتساقطة كهزيم الرعد. وقد رددت الجبال صدى نشيج الشعب من فوق المرتفعات. وعلى طول الأسوار كان يُسمَع الصراخ والعويل  والضوضاء. والناس الذين كانوا موشكين على الموت جوعاً استجمعوا ما تبقى في أجسامهم من قوة ليطلقوا صرخات حزن وعذاب.)) ( الصراع العظيم، 38-39 ). [وقع خراب أورشليم بعد صلب المسيا بـ 39 عاماً، أي في عام 70م.وكان تيطس، القائد الروماني الذي تم الخراب بقيادته، ابن الإمبراطور الروماني فسباسيان]

تدريب الوَلدَنسِيون لأولادهم- كانت الجبال المحيطة بأوديتهم المنخفضة شاهداً دائما على قدرة يهوه الخالقة وضماناً لا يخيب أبداً لرعاية يهوه الحافظة. ولقد تعلم أولئك الغرباء أن يحبوا تلك الرموز الصامتة المنبئة بحضور يهوه. ولم يصدر عنهم تذمر أو تبرم من الحياة الشاقة التي كانت من نصيبهم، ولم يحسوا بالوحشة وهم معتزلون وحدهم في تلك الجبال، بل شكروا يهوه الذي هيأ لهم ملجأ يلوذون به هروباً من غضب الناس وقسوتهم، وقد تهللت قلوبهم لأجل الحرية التي استطاعوا في ظلالها أن يقدموا إليه عبادتهم. وفى غالب الأحيان عندما كان أعداؤهم يتعقبوهم كانوا يجدون في الجبال القوية الراسخة حصناً منيعاً. وبين الصخور العالية كانوا يتغنون بحمد يهوه، فما استطاعت جيوش روما أن تُسكِت أغاني شكرهم.

اتسمت تقوى أتباع المسيا أولئك بالنقاوة والبساطة والغيرة.  كانوا يعتبرون مبادئ الحق أجلّ قدراً من البيوت والأراضي والأصدقاء والأقرباء وحتى الحياة نفسها. وبكل غيرة واهتمام حاولوا أن يطبعوا هذه المبادئ في قلوب الأحداث والشباب. فمنذ بكور الحداثة كان الصغار يتعلمون الكتب المقدسة ويقدسون مطالب شريعة يهوه. كانت نسخ الكتاب قليلة ونادرة الوجود، فلذلك كانوا يحفظون غيبا تلك الأقوال الثمينة. وكان كثيرون منهم قادرين على تلاوة فصول كبيرة من العهدين القديم والجديد عن ظهر قلب. وكانت أفكارهم عن يهوه مصحوبة دائما بمنظر الطبيعة الجليل وبركات حياتهم اليومية البسيطة. وقد تعلم الصغار أن ينظروا بشكر إلى يهوه الذي من عنده تنحدر كل النعم والتعزيات.

هذا، وإن الآباء مع ما كانوا يضمرونه لأولادهم من رقة ومحبة، لم يُفرطوا في حبهم لهم إلى حد السماح لهم بأن يتعوَّدوا الانغماس في الملذات. ذلك أن الحياة التي أمامهم كانت حياة التجارب والمشقات، وقد تُختَم بالاستشهاد، لذا دربّوهم منذ طفولتهم على الصبر والقسوة وضبط النفس، والاعتماد على أنفسهم في العمل والتفكير. فتعلم الأبناء منذ الصغر أن يتحملوا المسؤوليات ويتحفظوا في كلامهم، كما تعلموا حكمة الصمت: ذلك لأن كلمة واحدة طائشة تقع على مسامع أعدائهم كانت كفيلة بأن توقع في الخطر، ليس قائلها وحده بل مئات من أخوته، لأن أعداء الحق كانوا يطاردون كل من يجرؤ على الجهر بأن له الحرية في اختيار العقيدة الدينية التي تروقه، كما تطارد الذئاب قطيعاً من الخراف)) ( الصراع العظيم، ص73-76 ). [عاش الولدنسيون في جبال الألب السويسرية أثناء العصور المظلمة وكانوا من ضمن عدد من المجموعات المختبئة في بقاع نائية من الأرض التي حافظت على عقيدة الكنيسة النقية قبل ردّتها. يروى كتاب (( الصراع العظيم)) بتفصيل جزءا كبيرا من تاريخ شعب يهوه منذ عصر المسيا وحتى عصرنا الحاضر، وإلى ما بعد ذلك]

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
28
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
20
Calendar App