4. الإنذار الأخير
ترجمة الفاندايك هي ما تم استخدامها في هذه الدروس. انقر هنا لتصفح الكتاب المقدس على النت.

"ثمّ بعد هذا رأيت ملاكاً آخر نازلاً من السماء له سلطان عظيم واستنارت الأرض من بهائه. وصرخ بشدة بصوت عظيم قائلاً سقطت سقطت بابل العظيمة وصارت مسكناً للشياطين ومحرساً لكل روح نجس ومحرساً لكلّ طائر نجس وممقوت" "ثمّ سمعت صوتاً آخر من السّماء قائلاً اخرجوا منها يا شعبي لئلاّ تشتركوا في خطاياها ولئلا تأخذوا من ضرباتها" (رؤيا 18 : 1, 2, 4).

تشير هذه الآيات إلى زمن آتٍ فيه يتكرر الإعلان عن سقوط بابل كما نطق به الملاك الثاني المذكور في (رؤيا 14: 8). إنّما هذه المرّة يضيف هذا الملاك ذكر المفاسد والنّجاسات التي قد دخلت  في كل النّظم  التي تتكوّن منها بابل، منذ أن قُدِّمت تلك الرسالة أولاً في صيف عام 1844. وهنا وصف مخيف للعالم الدّيني. ففي كلّ مرة يرفض الناس الحقّ ستصير عقولهم أشدّ ظلاماً وقلوبهم أشد صلابةً وعناداً حتّى يتحصّنوا في وقاحة إلحاديّة. ففي تحدّيهم الإنذارات التي قدّمها إليهم يهوه سيظلّون على عنادهم في الدّوس على إحدى الوصايا العشر حتى ينتهي بهم الأمر إلى اضطهاد من يقدّسونها. إنّ المسيّا يُستخفّ به بسبب الاحتقار الذي يقع على كلمته وشعبه. فإذ تقبل الكنائس تعاليم مناجاة الأرواح فإنّ الرّادع الموضوع على القلب الجسداني يُزال ويصير الاعتراف بالدّيانة قناعاً يخفي تحته أحطّ الآثام. والاعتقاد في ظهور الأرواح يُفسح المجال أمام الأرواح المضلّة وتعاليم الشّياطين، وهكذا يترك تأثير الملائكة الأشرار ليعمل  عمله المدمّر في الكنائس .

أمّا بابل فإذ تبدو أمام أنظارنا في هذه النبوة يُعلن عنها أنّ "خطاياها لحقت السماء وتذكَّر يهوه آثامها" (رؤيا 18: 5). لقد ملأت مكيال إثمها والهلاك موشك أن ينصبّ عليها. لكنّ يهوه لا يزال له شعب في بابل، وقبلما يفتقدها بضرباته لابُدّ أن يُدعى هؤلاء الأمناء للخروج حتّى "لا تشتركوا في خطاياها ولا تأخذوا من ضرباتها". من هنا الحركة المرموز إليها بنزول الملاك من السماء منيراً الأرض من بهائه صارخاً بشدة بصوت عظيم معلناً عن خطايا بابل. وقد ارتبطت برسالته هذه الدّعوة القائلة : "اخرجوا منها يا شعبي". هذه الإعلانات بارتباطها برسالة الملاك الثالث تكوِّن آخر إنذار يُقدّم إلى سكان الأرض.

ومخيفة هي الحالة التي ستكون فيها الأرض. فإذ تتّحد قوّاتها معاً لمحاربة وصايا يهوه ستصدر أمراً عالياً بأنّ الجميع "الصّغار والكبار والأغنياء والفقراء والأحرار والعبيد" (رؤيا 13: 16) يمتثلون لعادات الكنيسة بحفظ السّبت الزّائف. وكلّ الذين يرفضون الامتثال ستوقع بهم عقوبات مدنيّة وسيُعلن أخيراً أنهم مستحقون الموت. ومن الناحية الأخرى فإن شريعة يهوه التي تفرض يوم راحة الخالق تأمر بالطاعة وتتوعّد بالغضب كلّ من يتعدّون وصاياها.

فإذ توضع هذه النّتيجة جليّة واضحة أمام النّاس فكلّ من يمتهن شريعة يهوه ليطيع تشريعاً بشريّاً يقبل سمة الوحش ويقبل الولاء للسّلطان الذي يختاره ليطيعه من دون يهوه. إن الإنذار الآتي من السماء هو هذا : "إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته ويقبل سمته على جبهته أو على يده فهو أيضاً سيشرب من خمر غضب يهوه المصبوب صرفاً في كأس غضبه" (رؤيا 14: 9, 10).

ولكن لن يقاسي أحد أهوال غضب يهوه إلى أن يمسّ الحقّ عقله وضميره ثم يرفضه. فثمّة كثيرون ممّن  لم تُتَحْ لهم الحقائق الخاصّة بهذا العصر. فعهد الوصيّة الرّابعة لم يوضع أبداً أمامهم في نوره الحقيقي. وذاك المطَّلِع على كلّ قلب ومختبر كل وازع لن يترك إنساناً يرغب في معرفة الحق ينخدع في ما يختص بنتائج الصراع. والأمر لن يُفرض على الناس من دون تبصّر. فكلّ واحد سيُعطى النّور الكافي ليتّخذ قراره عن فهم وتبصّر.

محك  الولاء

ملحوظة هامة: عندما نذكر يوم السبت، فنحن نشير بذلك إلى سبت الوصية الرابعة أي اليوم السابع من الأسبوع وليس السبت الحالي "Saturday". يجب أيضا الأخذ في الاعتبار أن السبت يجب حفظه حسب التقويم الإلهي وليس حسب التقويم الروماني الجريجوري الحديث الذي يتبعه العالم اليوم. فسبت الوصية الرابعة، أي اليوم السابع من الأسبوع يقع دائما في الكتاب المقدس في أيام 8، و15، و22، و29 من الشهر القمري، في هذه التواريخ المحددة من كل شهر، الأمر الذي لا يستطيع أن يفعله أي تقويم آخر. لمعرفة المزيد حول تقويم الكتاب المقدس الأصلي وسبت يهوه الحقيقي، يمكنك دراسة كورس ثلاثة شهور متتالية من موقعنا.

سيكون السّبت الاختبار العظيم للولاء لأنّه نقطة الحقّ المختلف والمُتَنازع عليها بوجهٍ خاص. فعندما يتّضح الاختبار الأخير لدى النّاس ويقولون كلمتهم حينئذ يوضع حدّ فاصل بين من يعبدون يهوه ومن لا يعبدونه. ففي حين أن حفظ السّبت الزائف إطاعة لشريعة الدّولة خلافاً لما تأمر به الوصيّة الرّابعة هو مجاهرة بالولاء لسلطان مضاد لسلطان يهوه فإنّ حفظ السبت الحقيقي إطاعة لشريعة يهوه هو برهان الولاء للخالق. وفي حين أنّ فريقاً بقبوله رمز الخضوع للسّلطات الأرضيّة يقبل سمة الوحش، فالفريق الآخر إذ يختار علامة الولاء لسلطان يهوه يقبل ختم يهوه.

إنّ الذين قدّموا حقائق رسالة الملاك الثالث في ما مضى اعتُبروا مثيري فتن وقلاقل. وتنبؤاتهم بأنّ التّعصّب الدّيني سيسود في الولايات المتحدة وأنّ الكنيسة والدّولة ستتّحدان معاً في اضطهاد الذين يحفظون وصايا يهوه حُكم عليها بالسّخف المجّاني. وقد أُعلن بكل ثقة أنّ تلك البلاد لا يمكن أن تكون غير ما هي، أي حامية الحريّة الدّينية. ولكن إذ أثيرت مشكلة فرض حفظ يوم الأحد أوشكت الحادثة التي ظلت طويلاً مشكوكاً فيها وغير قابلة للتّصديق أن تحصل، والرّسالة الثالثة ستحدث تأثيراً لم يكن يُظنّ حدوثه من قبل.

في كلّ عصر أرسل يهوه خدّامه لتوبيخ الخطيئة في العالم وفي الكنيسة. لكنّ الناس يرغبون في أن يُقال لهم الكلام النّاعم، أمّا الكلام النّقي غير المدهون أو المصقول فهو غير مقبول. إنّ كثيرين من المصلحين إذ شرعوا في عملهم قرّروا أن يمارسوا حكمة عظيمة وضبط نفس في مهاجمة خطايا الكنيسة والأمّة. وقد كانوا يرجون، بفضل مثال حياتهم المسيحية النّقية، أن يرجعوا النّاس إلى تعاليم الكتاب. لكنّ روح يهوه حلّ عليهم كما قد حلّ على إيليّا إذ حرّكه لأن يوبّخ خطايا ملك شرير وشعب مرتد، ولذلك لم يستطيعوا الكفّ عن الكرازة بأقوال الكتاب الصّريحة والتّعاليم التي كانوا ينفرون من تقديمها. لقد دُفعوا دفعاً إلى إعلان الحقّ والخطر الذي يهدّد النّفوس، وذلك بكلّ غيرة. ونطقوا بالكلام الذي أعطاهم إيّاه السّيّد من دون خوف من العواقب، وكان النّاس مرغمين على الإصغاء إلى الإنذار.

إعلان  الرسالة  بقوة

وهكذا ستُعلن رسالة الملاك الثالث. فعندما يجيء وقت إعلانها بأعظم قوة فالسّيّد سيستخدم وسائل متواضعة إذ يرشد عقول الذين يكرّسون ذواتهم لخدمته. وأولئك العمّال سيُؤهَّلون بالأحرى بمسحة  روحه أكثر ممّا بتدريب معاهد العلم. فرجال الإيمان والصّلاة سيجدون أنفسهم مدفوعين للخروج بغيرة  مقدسة معلنين  الكلام  الذي  يعطيهم  يهوه  إيّاه. إن خطايا  بابل  ستنكشف. والنتائج  المخيفة  لإرغام  الناس على ممارسة فرائض الكنيسة بواسطة القوة المدنية، والتهافت على مناجاة الأرواح، وتقدّم  السلطان  البابوي  المستتر  والسريع  في  الوقت  نفسه  ـــ  كل هذا سيكون سافراً. بهذه الإنذارات  الخطيرة سيُوقظ النّاس. وآلاف  فوق آلاف  ممّن  لم  يسبق  لهم  أن  سمعوا  كلاماً  كهذا  سيسمعون  في  ذهول أنّ بابل هي الكنيسة التي  سقطت  بفعل  ضلالاتها  وخطاياها  ورفضها  الحقّ المرسل إليها من السماء. فإذ  يعود النّاس إلى معلّميهم السّابقين يسألونهم في  لهفة  قائلين : هل هذه  الأمور هكذا؟ فالخدّام  يقدّمون إليهم خرافات ويتنبّأون لهم بالنّاعمات لكي يسكِّنوا  مخاوفهم  ويهدِّئوا  ضمائرهم  التي استيقظت. ولكن بما أّنّ كثيرين سيرفضون الاكتفاء بمجرد سلطان النّاس  ويطلبون  توضيحاً كتابيّاً صريحاً كالقول "هكذا قال السّيّد"  فالخدّام المشهورون كالفريسيين قديماً سيستشيطون غضباً عندما يُشكّ في سلطانهم ويشجبون الرسالة قائلين أنّها من الشّيطان ويثيرون جماهير النّاس المحبّين للخطيئة ليشتموا أولئك الذين يذيعونها ويضطهدوهم.

عندما  يمتدّ  الصّراع

وعندما يمتدّ الصّراع إلى ميادين جديدة وتُوجَّه أذهان النّاس إلى شريعة يهوه المدوسة تحت الأقدام فالشيطان يكون منهمكاً. إنّ القوّة المصاحبة للرسالة ستصيب مقاوميها بالجنون. والإكليروس سيبذلون جهوداً فوق الطبيعة لو استطاعوا ليمنعوا النور حتّى لا يشرق على قطعانهم. وبكلّ وسيلة تحت سلطانهم سيحاولون إخماد المباحثة في هذه المسائل الحيويّة. والكنيسة تلجأ إلى ذراع القوّة المدنيّة، وفي هذا العمل سيتّحد البابويّون والبروتستانت. وإذ تشتدّ حركة إرغام النّاس على حفظ يوم الأحد وتزيد جرأةً وإصراراً فسيُستنجد بالقانون ضد حافظي الوصية. وسيتوعدونهم بالغرامات والسجن والبعض منهم ستُعرض  عليهم وظائف ذات نفوذ وغير ذلك من المكافآت والميّزات لإغرائهم بنبذ عقيدتهم. لكنّ جوابهم الثّابت سيكون هكذا : "برهنوا لنا على خطئنا من كلمة يهوه" ـــ وهذه هي الحجّة نفسها التي قدّمها لوثر عندما كان في ظروف مماثلة. وأولئك الذين يُستدعون للمثول أمام المحاكم يؤيّدون الحقّ ويزكّونه تزكية قويّة، وبعض من يسمعونهم سيقرّرون حفظ كلّ وصايا يهوه، وهكذا سينكشف النّور أمام آلاف من النّاس الذين لولا ذلك لما كانوا يعرفون شيئاً عن تلك الحقائق.

ستُعامل إطاعة كلمة يهوه في إخلاص كما لو كانت تمرّداً وعصياناً. فإذ يعمي الشيطان أذهان الآباء سيلجأون إلى الفظاظة والقسوة في معاملة أولادهم المؤمنين، والسّيد أو السيدة سيضطهدون خدّامهم أو عبيدهم حافظي الوصية. وستُستبعد المحبة، والأولاد يُحرمون من الميراث ويُطردون من البيت. وسيتمّ كلام بولس حرفيّاً إذ قال : "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيّا يهوشوه يُضطهدون" (تيموثاوس 3: 12). وإذ يرفض المدافعون عن الحقّ  تكريم  يوم  الأحد  فالبعض  منهم  سيلقى  بهم  في السّجون، والبعض الآخر سيرسلون إلى المنفى، والبعض سيعاملون معاملة العبيد. كل هذا يُعتبر الآن  أمراً مستحيل الوقوع في نظر الحكمة البشريّة، ولكن إذ ينسحب روح يهوه الرّادع من بين النّاس  ويصيرون تحت سيطرة الشيطان الذي يبغض وصايا يهوه فستحدث  تطوّرات غريبة. إنّ القلب يمكن أن  يكون قاسياً جدّاً عندما  يُطرد  منه  خوف  يهوه ومحبّته.

وإذ تقترب العاصفة فإنّ فريقاً كبيراً ممّن قد اعترفوا بإيمانهم برسالة الملاك الثالث ولكنهم لم يتقدّسوا بالطّاعة للحقّ يتركون مركزهم وينضمّون إلى صفوف المقاومة. فإذ يتّحدون مع العالم ويشتركون في روحه فهم يرون بالمنظار نفسه تقريباً، وعندما يجيء الامتحان يكونون مستعدين لاختيار الجانب السهل الشائع المشهور. وأصحاب المواهب والخطابة المُسرّة الذين كانوا قبلاً يبتهجون بالحقّ يستخدمون قواهم في خداع النّفوس وتضليلها. ويصيرون ألدّ أعداء إخوتهم السابقين. وعندما يؤتى بحافظي السبت أمام المحاكم ليجاوبوا عن إيمانهم فإنّ هؤلاء المرتدّين يكونون أفعل الوسائل في يد الشّيطان لتشويه أخلاقهم والدّس ضدّهم واتّهامهم، وبواسطة البلاغات الكاذبة والدسائس يثيرون الحكّام ضدّهم.

في وقت الاضطهاد هذا سيُمتحن إيمان عبيد السّيّد. لقد قدّموا الإنذار بكلّ أمانة ناظرين إلى السّيّد وكلمته فقط. ولأنّ روح يهوه يرفّ على قلوبهم فإنّه أرغمهم على الكلام، وإذ  حرّضتهم  الغيرة  المقدّسة  وبدافع  قوي إلهي في نفوسهم شرعوا في القيام بواجباتهم من دون أن يحسبوا بفتور حساباً لعواقب مخاطبة النّاس بكلمة يهوه التي سلّمهم إيّاها. ولم يتدبّروا أمر مصالحهم المادّية ولا ضنّوا بسمعتهم أو حياتهم. ومع ذلك فعندما تهبّ عليهم عاصفة المقاومة والعار ويستولي الرّعب على البعض منهم سيكونون على أهبة الصّراخ قائلين: "لو كنّا قد علمنا من قبل عواقب كلامنا لكنّا قد صمتنا". لقد أحدقت بهم المتاعب والمشقّات. والشّيطان يهاجمهم بتجاربه العنيفة. ويبدو أنّ العمل الذي شرعوا فيه هو فوق طاقتهم ولا يستطيعون إنجازه. إنّهم مهدّدون بالهلاك. وقد زايلهم الحماس الذي كان قد أنعشهم،ومع ذلك فهم لا يستطيعون أن يتراجعوا. وحينئذ إذ يحسّون بعجزهم التّام يهرعون إلى السّيّد القدير في طلب القوة. وهم يذكرون أنّ الكلام الذي نطقوا به لم يكن كلامهم بل كلام ذاك الذي أمرهم بتبليغ الإنذار. لقد وضع يهوه الحقّ في قلوبهم فلم يستطيعوا الإحجام عن إذاعته.

إنّ هذه المحن  نفسها  قد  اختبرها  رجال  يهوه  السابقون  في  العصور السالفة. فويكلف  وهس  ولوثر  وتندل  وباكستر  ووسلي  ألحّوا  بوجوب  وضع  كلّ التّعاليم  تحت  اختبار  الكتاب،  وأعلنوا  عن  استعدادهم  لنبذ  كلّ ما  يدينه  كتاب  يهوه. وقد  ثارت  اضطهادات  قاسية  لا  تلين  ضد  هؤلاء الناس  ومع  ذلك  لم  يكفّوا  عن  إعلان  الحقّ. لقد  مرّت  الكنيسة  في تاريخها  بمراحل  مختلفة  تميّزت  كلٌّ  منها  بإبراز  حقيقة  خاصّة  تتوافق واحتياجات  شعب  يهوه  آنذاك. وكلّ  حق  جديد  شقّ  لنفسه  طريقاً  ضدّ العداوة والمقاومة، وكلّ من قد  تباركوا  بنوره  جُرِّبوا  وامتُحِنوا. فالسّيّد يعطي  حقّاً  خاصّاً  للشّعب  في ظرفٍ طارئ. فمن يجرؤ على رفض إذاعته؟ إنّه يأمر عبيده أن  يقدّموا آخر دعوات الرّحمة إلى العالم. وهم لا يستطيعون البقاء صامتين ما لم  يكن هنالك خطر على أرواحهم. إنّ سفراء المسيّا لا شأن  لهم  بالعواقب. فعليهم  القيام  بواجبهم تاركين  النتائج  في يد يهوه.

تفاقم  المقاومة

وإذ تتفاقم المقاومة وتشتدّ فإنّ عبيد يهوه يرتبكون مرة أخرى عندما يتراءى لهم أنّهم هم الذين أحدثوا الأزمة. لكنّ ضمائرهم وكلمة يهوه تؤكّد لهم أنّهم سائرون في طريق الصّواب، ومع أنّ التّجارب تبقى  كما هي فإنّهم يتشدّدون لاحتمالها. والنّضال يقترب إليهم أكثر ويزيد عنفاً وشدةً لكنّ إيمانهم وشجاعتهم  يزيدان بنسبة تلك الحالة الطارئة. وشهادتهم هي هذه : "إنّنا لا نجرؤ على العبث بكلمة يهوه بتقسيم كلمة يهوه وشريعته المقدسة فنعتبر جزءاً منه جوهريّاً والجزء الآخر غير جوهري لكي نظفر برضى العالم. إنّ السّيّد الذي نخدمه قادر على أن ينقذنا. لقد غلب المسيّا سلاطين الأرض فهل نخشى من عالم منهزم من قبل؟" .

ليس الاضطهاد في أشكاله المختلفة إلاّ تطوّراً لمبدأ سيظلّ باقياً مادام الشّيطان باقياً وطالما توجد للمسيحية قوّة حيوية. ولا يستطيع إنسان أن يخدم يهوه من دون أن يسجّل على نفسه مقاومة قوّات الظلمة. فالملائكة الأشرار سيهاجمونه إذ يفزعهم الفكر بأنّ تأثيره سينتزع الفريسة من أيديهم. والنّاس الأشرار إذ يوبّخهم مثاله سيتّحدون مع الشّياطين في محاولة إبعاده عن يهوه بالتّجارب المغرية. فعندما لا ينجح هؤلاء فحينئذ ستُستخدم قوّة قاهرة لإرغام الضمير.

يهوشوه،  شفيع  الإنسان

ولكن طالما كان يهوشوه هو شفيع الإنسان في القدس السّماوي فإنّ تأثير الرّوح القدس الرّادع سيحسّ  به الحكّام والنّاس. وهو لايزال يسيطر على قوانين البلاد إلى حدٍّ ما. ولولا هذه القوانين لأمست حالة  العالم شرّاً ممّا هي الآن. ففي حين أنّ كثيرين من الحكّام هم آلات فعّالة في يد الشّيطان فإنّ  ليهوه أيضاً  وسائله ورجاله العاملين بين قادة الأمّة. والعدوّ يرفّ فوق عبيده لكي يقترحوا إجراءات من شأنها أن  تعيق عمل يهوه كثيراً، لكنّ السّاسة الذين يخافون السّيّد يؤثّر عليهم الملائكة القدّيسون لمقاومة مثل تلك  المقترحات بحجج لا تُردّ. وهكذا سيُوقف رجال قليلون تيار الشرّ الجارف عند حدّه. وستُردع مقاومة أعداء الحقّ حتّى تتمّم رسالة الملاك الثالث عملها. ومتى قُدِّم الإنذار الأخير فسيسترعي انتباه هؤلاء  القادة الذي يعمل السّيّد بواسطتهم الآن وبعض منهم سيقبلونه وسيقفون إلى جانب شعب يهوه في أثناء  وقت الضّيق.

والملاك الذي سيشترك في إذاعة رسالة الملاك الثالث ستستنير كلّ الأرض ببهائه. وقد أُنبِئ هنا بعمل يشمل العالم كلّه بقوة غير عادية. إنّ حركة المجيء التي حدثت في الأعوام 1840 ـــ 1844 كانت إظهاراً مجيداً لقدرة يهوه، فقد حُمِّلت رسالة الملاك الأوّل إلى كلّ مراكز المرسلين في العالم، وفي بعض البلدان حدث أعظم اهتمام ديني شوهد في أيّ بلد منذ عهد الإصلاح في القرن السّادس عشر. لكنّ هذه الحركات ستفوقها الحركة العظيمة التي ستحدث نتيجة لإنذار الملاك الثالث الأخير.

وسيكون هذا العمل شبيهاً بما حدث في يوم الخمسين. فكما أُعطي "المطر المبكّر" ليظهر البذار الثمين وينبت بانسكاب الروح القدس عند بدء ظهور الإنجيل، فكذلك سيُعطى "المطر المتأخر" في النهاية لأجل نضج الحصاد، "لنعرف فلنتتبّع لنعرف يهوه. خروجه يقين كالفجر. يأتي إلينا كالمطر. كمطر متأخر يسقي الأرض" (هوشع 6: 3). "ويا بني صهيون ابتهجوا وافرحوا بيهوه إلهكم لأنّه يعطيكم المطر المبكر على حقّه وينزل عليكم مطراً مبكّراً ومتأخّراً" (يوئيل 2: 23). "يقول يهوه ويكون في الأيّام الأخيرة أنّي أسكب من روحي على كلّ بشر" ، "ويكون كلّ من يدعو باسم يهوه يخلص" (أعمال 2: 17, 21).

لن تظهر بشارة الإنجيل العظيمة في ختامها قدرة يهوه على نحوٍ أقل ممّا أظهرته  في بدايتها. والنّبوّات  التي تمّت عند انسكاب المطر المبكّر في بدء عصر الإنجيل ستتمّ أيضاً في انسكاب المطر المتأخر في  نهايته. هنا "أوقات الفرج" التي كان الرّسول بطرس ينتظرها في مستقبل الأيّام عندما قال : "فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرج من وجه يهوه ويرسل يهوشوه المسيّا" (أعمال 3: 19, 20 ).

إنّ عبيد يهوه بوجوههم المشرقة والمتألّقة بنور التّكريس المقدس سيسرعون من مكان إلى مكان ليذيعوا رسالة السماء. ففي كلّ الأرض ستقدّم الإنذار آلاف الأصوات. وستُجرى عجائب فيشفى المرضى، والآيات والعجائب ستتبع المؤمنين. ثم إنّ الشيطان سيعمل أيضاً بآيات كاذبة حتى ينزل ناراً من السماء أمام عيون الناس (رؤيا 13: 13). وهكذا سيُؤتى بسكّان الأرض ليقفوا موقفهم.

ثم إنّ الرّسالة لا تُحمل بالحجّة بقدر ما تُحمل بإقناع روح يهوه العميق في القلب. لقد قُدّمت الحجج. وألقي البذار والآن هو سينبت ويحمل ثمراً. إنّ المنشورات التي قد وزّعها الكارزون قد بذلت تأثيرها، ومع ذلك فكثيرون ممّن قد تأثّرت عقولهم مُنعوا من إدراك الحقّ كاملاً ومن تقديم الطاعة. أمّا الآن فها أشعة النور تخترق كل مكان، والحقّ يُرى في كلّ وضوحه، وأولاد يهوه المؤمنون يفصمون الرّبط التي كانت تقيدهم. فصلات القرابة العائليّة والكنسيّة تعجز الآن عن إبقائهم إذ أنّ الحقّ أثمن من كلّ ما عداه. وعلى رغم كلّ القوّات المتّحدة ضدّ الحقّ فإنّ عدداً غفيراً يتّخذون موقفهم إلى جانب السّيّد .

 

حمل سلسلة
صراع الأجيال
وكتب أخرى مجانا

دخول عضو

تاريخ اليوم

افحص إذا كان هذا التاريخ ينطبق على دولتك
تقويم الخالق
6004
5
28
(اليوم- الشهر- السنة)
تقويم البابا جريجوري الثالث عشر
2017
08
20
Calendar App