لقد اعتاد الناس على سماع كلمة "الله" أو "الرب" للإشارة إلى الخالق. لكنّ هاتين الكلمتين لا تعبّران عن الاسم الأصلي للآب السماوي. ففي الأزمنة التي كُتب فيها الكتاب المقدس، لم يُدع الخالق أبدا ً بهذا الاسم. سنراعي في دراستنا لهذا الموضوع مبدأ من أهم مبادئ الدراسة الكتابية، وخاصّة عندما يتعلّق الأمر بطرح حقائق ينظر إليها الكثيرون نظرة تشكيك وعدم إيمان.  ألا وهو مبدأ ثقل الأدلة.

فالشيطان كثيرا ً ما يزرع الشكوك في النفس، ويخترع الاعتراضات على شهادات الكتاب الصريحة. ومن يرغب في أن يشكّك في الحق الإلهي، سيجد مجالا ً كبيرا ً لذلك. إنّ الخالق لا ينزع كل الشكوك منّا لكنّه يقدم دلائل ينبغي لنا أن ندرسها بذهن متواضع وروح قابلة للتعلّم، وعلى الجميع أن يتّخذوا قراراتهم بناء على هذا المبدأ، مبدأ ثقل الأدلّة.  وهو يعطي لصاحب الروح النزيهة المخلصة أدلّة شافية كافية للإيمان، لكنّ من يترك ثقل الأدلة، فقط لأنّ هناك أمور لا يمكنه بعقله المحدود أن يفسّرها، سيُترك في ظلام الشك والارتياب، فتتحطّم سفينة إيمانه. 

دعونا نتأمل في الدلائل الكتابيّة التالية التي تكشف لنا اسم الخالق الحقيقي:

1) فها هو إبراهيم، بعد امتحان الإيمان القاسي الذي مرّ به بنجاح، إذ كان على وشك أن يقدّم ابنه ذبيحة، نقرأ أنّه أصعد محرقة عوضا عنه، " فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذلِكَ الْمَوْضِعِ « يَهْوَهْ يِرْأَهْ». حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ الْيَوْمَ: فِي جَبَلِ يَهْوَهْ يُرَى" (تكوين 22: 14).   

2) أمّا موسى النبي، كاتب التوراة، والذي عاش بعد إبراهيم بحوالي 650 سنة، نجد أنّه دوّن في سفر الخروج الأصحاح 3 حادثة مثيرة للاهتمام، فإذ كان يرعى غنم حميه على جبل حوريب، خاطبه إله أجداده، وتكلّ معه: "هكذا تقول لبني إسرائيل: ‍يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إبراهيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ" (خروج 3: 15). ومرة أخرى، يؤكد الخالق أنّ اسمه يهوه: "وَأَنَا ظَهَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِأَنِّي الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَأَمَّا بِاسْمِي «يَهْوَهْ» فَلَمْ أُعْرَفْ عِنْدَهُمْ" (خروج 6: 2). فصحيح أنّ الآباء سمعوا بهذا الاسم ونطقوه، لكنّ إدراك معناه الحقيقي وطبيعته، لم يكن كاملا مثل ما اكتمل مع موسى الذي كان أول من حمل رسالة باسم يهوه، وأيّد هذه الرسالة بالمعجزات.

3) ويشوع، القائد العسكريّ البارع، نجد أنّه، وبعد خروج الشعب القديم من مصر، هزم عماليق وقومه الذين حاربوا بني إسرائيل، "فَبَنَى مُوسَى مَذْبَحًا وَدَعَا اسْمَهُ يَهْوَهْ نِسِّي" (أي يهوه هو رايتي) (خروج 17: 15).  

4) ثمّ جدعون، واحدٌ من القضاة الذين أقامهم يهوه لبني إسرائيل، والذي أتى بعد موسى بحوالي 400 سنة، نجد أنّه استمرّ في الإشارة إلى الإله الحقيقي باسمه "يهوه"، وذات مرة سمع من الخالق هذه الكلمات: "السَّلاَمُ لَكَ. لاَ تَخَفْ. لاَ تَمُوتُ.  فَبَنَى جِدْعُونُ هُنَاكَ مَذْبَحًا لِيهوه وَدَعَاهُ «يَهْوَهَ شَلُومَ». إِلَى هذَا الْيَوْمِ لَمْ يَزَلْ فِي عَفْرَةِ الأَبِيعَزَرِيِّينَ" (قضاة 6: 23، 24). لقد كان المؤمنون في زمن جدعون بأمسّ الحاجة إلى السلام، ومن هنا كانت تسمية المذبح بـ "يهوه شلوم" أي يهوه سلامي.

5) وآساف، الذي كان قائدا موسيقيّا بارعا في عهد داوود الملك، والذي أتى بعد جدعون بحوالي 150 سنة، نقرأ في أحد مزاميره أنّه صلى لأجل خلاص العالم، وفي صلاته يقول عن الأشرار: "لِيَخْزَوْا وَيَرْتَاعُوا إِلَى الأَبَدِ، وَلْيَخْجَلُوا وَيَبِيدُوا، وَيَعْلَمُوا أَنَّكَ اسْمُكَ يَهْوَهُ وَحْدَكَ، الْعَلِيُّ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ" (مزمور 83: 17، 18).

6) أمّا إشعياء النبي، الذي جاء بعد داوود الملك بحوالي 250 سنة، ها هو ينشد نشيد حمد عظيم، فيعلن قائلا ً:"هُوَذَا يهوه خَلاَصِي فَأَطْمَئِنُّ وَلاَ أَرْتَعِبُ، لأَنَّ يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا... وَتَقُولُونَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: احْمَدُوا يهوه. ادْعُوا بِاسْمِهِ. عَرِّفُوا بَيْنَ الشُّعُوبِ بِأَفْعَالِهِ. ذَكِّرُوا بِأَنَّ اسْمَهُ قَدْ تَعَالَى" (إشعياء 12: 2، 4). وهو يطلب منّا أن ندعوه باسمه يهوه.

7) وماذا عن شهادة إرميا النبي، نبي المملكة الجنوبية، والذي عاصر الملك البابلي نبوخذراصّر، قبل سبي الـ 70 سنة الذي كان  للملكة يهوذا في بابل (586 ق. م.)، نراه يقدّم نبوة مدهشة في (إرميا 16: 19- 21)، فالأمم الذين لا يعرفون اسم الإله الحقيقي، سيقولون يوما ما: "إِنَّمَا وَرِثَ آبَاؤُنَا كَذِبًا وَأَبَاطِيلَ وَمَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ"، فيأتي جواب الإله الحقيقي، "لِذلِكَ هأَنَذَا أُعَرِّفُهُمْ هذِهِ الْمَرَّةَ، أُعَرِّفُهُمْ يَدِي وَجَبَرُوتِي، فَيَعْرِفُونَ أَنَّ اسْمِي يَهْوَهُ". فما يجب أن يعرفه الناس أنّ اسم الإله الحقيقي هو يهوه. ومرة أخرى، يؤكّد الخالق لإرميا أنّ اسمه هو يهوه: "ثُمَّ صَارَتْ كَلِمَةُ يهوه إِلَى إِرْمِيَا ثَانِيَةً وَهُوَ مَحْبُوسٌ بَعْدُ فِي دَارِ السِّجْنِ قَائِلَةً:"هكَذَا قَالَ يهوه صَانِعُهَا، يهوه مُصَوِّرُهَا لِيُثَبِّتَهَا، يَهْوَهُ اسْمُهُ" (إرميا 33: 1، 2).

8) وهذا حزقيال النبي، نبي الشعب القديم في السبي، والذي كان معاصرا ً لإرميا، ها هو يتنبّأ عن إعادة بناء أورشليم فيقول: "الْمُحِيطُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْمُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ: يَهْوَهْ شَمَّهْ" (حزقيال 48: 35). اسم المدينة الجديد: يهوه شمّه، أي، يهوه هناك.

9) وهوشع، الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، في فترة سقوط المملكة الشمالية، في حديثه عن يعقوب، يقول: "جَاهَدَ مَعَ الْمَلاَكِ وَغَلَبَ. بَكَى وَاسْتَرْحَمَهُ. وَجَدَهُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا". هذا الإله الذي وعد بالبركة ليعقوب، وتكلم معه في بيت إيل، هو هو، لم يتغيّر، ثم نراه يعلن بكل تأكيد أنّ إله الجنود هو يهوه: "وَيهوه إِلهُ الْجُنُودِ يَهْوَهُ اسْمُهُ" (هوشع 12: 5). وهذا التكرار يفيد التوكيد. فهذا الاسم يحمل سمات الذات الإلهية، وأبرزها الاستمراية، فيهوه هو الكلي الوجود، الذي لا يتغيّر، وهو الأزلي، الذي لا بداءة له ولا نهاية.   

10) ما هي شهادة عاموس في هذه القضية؟ نقرأ في سفر عاموس المترجم إلى العربية، وعاموس، راعي تقوع هذا، كان نبي المملكة الشمالية، والذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد (حوالي 750 ق. م.)، نقرأ في سفره ثلاث مرات كلمة يهوه:

       آ) "فَإِنَّهُ هُوَذَا الَّذِي صَنَعَ الْجِبَالَ وَخَلَقَ الرِّيحَ وَأَخْبَرَ الإِنْسَانَ مَا هُوَ فِكْرُهُ، الَّذِي يَجْعَلُ الْفَجْرَ ظَلاَمًا، وَيَمْشِي عَلَى مَشَارِفِ الأَرْضِ، يَهْوَهُ إِلهُ الْجُنُودِ اسْمُهُ" (عاموس 4: 13)

     ب) "اَلَّذِي صَنَعَ الثُّرَيَّا وَالْجَبَّارَ، وَيُحَوِّلُ ظِلَّ الْمَوْتِ صُبْحًا، وَيُظْلِمُ النَّهَارَ كَاللَّيْلِ. الَّذِي يَدْعُو مِيَاهَ الْبَحْرِ وَيَصُبُّهَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، يَهْوَهُ اسْمُهُ" (عاموس 5: 8).

      ج) "الَّذِي بَنَى فِي السَّمَاءِ عَلاَلِيَهُ وَأَسَّسَ عَلَى الأَرْضِ قُبَّتَهُ، الَّذِي يَدْعُو مِيَاهَ الْبَحْرِ وَيَصُبُّهَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، يَهْوَهُ اسْمُهُ" (عاموس 9: 6).

برجاء ملاحظة أنّ الترجمة العربية للكتاب المقدس لا تذكر الاسم الحقيقي (يهوه) إلا 14 مرة، وهذا لا يعنى مطلقا أنّ النص الأصلي يذكر هذا الاسم 14 مرة فقط ! فالعهد القديم، كما هو محفوظ في اللغة الأصلية، يورد الاسم الحقيقي أكثر من 6000 مرة !!! في حين لم تسلم من هذه الـ 6000 كلمة، إلا 14 كلمة في الترجمة العربية حافظت على الأصل كما هو في اللغة الأصلية (يهوه).

وهنا نطرح مجموعة من الأسئلة التي لا بدّ أن تُطرح عند مناقشة موضوع هام كهذا:

إذا كان الاسم الأصلي للخالق في العهد القديم هو يهوه، فهل من مبرّر لتغييره في العهد الجديد؟ مع أنّ الخالق يقول عن نفسه:

"لأَنِّي أَنَا يهوه لاَ أَتَغَيَّرُ فَأَنْتُمْ يَا بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ تَفْنُوا" (ملاخي 3: 6)، كما يقول عن اسمه: "هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ" (خروج 3: 15). فإذا كان الخالق قد أعلن عن اسمه، وصرّح بأنّ هذا الاسم هو ذكر له على مدى الأجيال، فمن نحن حتى نستبدله بأيّ اسم آخر؟

وثانيا، هل تكلّم الآباء، وابراهيم كان أحدهم، هل تكلّموا اللغة العربية؟ وهل كتبت التوراة بالعربية؟ شهادة التاريخ تثبت أنّ أنبياء العهد القديم لم يتكلّموا العربية، فكيف يجوز لمترجمي التوراة أن يحذفوا الاسم الأصلى لخالق هذا الكون ومبدع الحياة فيه، ويستبدلوه بأسماء لم يوحِ بها على الإطلاق.

في المسائل الحياتية، تكفي شهادة اثنين أو ثلاثة، وهذا هو أيضا تعليم الكتاب المقدس: "عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ وَثَلاَثَةٍ تَقُومُ كُلُّ كَلِمَةٍ"( 2 كورنثوس 13: 1). وها هنا شهادات من عشرة تقريبا، لا اثنين ولا ثلاثة، وهم عشرة من أنبياء العهد القديم ورجالاته العظام. وكما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل..."(عبرانيين 12: 1). فلنطرح كل شكّ وارتياب، ولنصدّق شهادة أبطال الإيمان هؤلاء. وبالتالي، لم يكن الخطأ خطأ الأنبياء في ما قالوا، لكن خطأ المترجمين.

وإذا سافر أحدنا إلى بلد أجنبي، هل يرضى بتغيير اسمه أو ترجمه لكي يصبح مقبولاَ في ذلك المجتمع أو ليستطيع الآخرون نطق اسمه بسهوله؟ فمن من البشر يتخلّى عن الاسم الذي يحمله لأنّ مجتمعه الجديد يرفض اسمه القديم؟ ومن يجرؤ على التلاعب بأسماء البشر؟ فكم بالحري اسم الخالق؟

لا يقدر أحدنا أن يغيّر اسم ايّ كان من أخوتنا في البشرية، إلا في حالة واحدة، وهي أن يطلب صاحب الاسم تغيير اسمه. لكنّ الآية في خروج 3: 15 تقول بأنّ هذا الاسم (يهوه)، هو ذكر الخالق "إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ"، أي إلى الأبد، فمن نحن حتى نترجمه من اللغة الأصلية ونستبدله بأسماء مثل: الله، الربّ،   God, Lord ...إلخ.

وكيف لقائل أن يقول: لقد قام المترجمون بترجمة هذا الاسم بحسب اللغات التي تُرجم إليها الكتاب المقدّس؟ وهل تُترجم الأسماء؟ نحن، بالفعل، بحاجة إلى أن نفكّر لماذا لا تتغير أو تترجم أسماء الأعلام لرجال مشهورين: مثل صدّام حسين، فلاديمير بوتين، بن لادن، جورج بوش، ...إلخ. لكنّ الاسم الذي هو فوق كل اسم، يتم تحريفه وتغييره؟ أهكذا نكرم الخالق؟!

عندما تُنقل كلمة ما من لغة إلى أخرى، فإنّها إمّا أن تُترجم أو تنسخ بحروف لغة أخرى. وعندما تترجم كلمة ما، فإنّ المعنى هو الذي يتمّ نقله. أمّا عندما تنسخ من لغة بحروف لغة أخرى، فإنّ صوت الكلمة هو الذي يتمّ نقله. إنّ نسخ الاسم الخاص للآب بحروف لغة أخرى، كما هو الحال في الكتاب المقدس، هو كلمة يهوه، التي تُلفظ ياه وه. ومعنى هذا الاسم هي: أنا الذي أنا. وهو يتضمّن أنّ حامل هذا الاسم ذاتيّ الوجود من الأزل في الماضي إلى الأبد في المستقبل.

ولهذا، فنحن في موقع إنذار نلتزم باستخدام الأسماء الأصلية للخالق في كل محتويات الموقع الجديدة، كما سنقوم بتعديل الأسماء الأخرى للخالق والتي كنا نستعملها في الماضي عن جهل.

في الختام، دعونا نتذكّر أنّ ترديد نفس الاسم الذي اختاره الخالق القدير لشخصه هو ترديد لكلمة مقدّسة لها قدرة غير محدودة. وعندما تنطق الملائكة الأطهار بهذا الاسم القدوس، فهي تغطي وجوهها احتراما، وذلك لأنّ هذا الاسم مقدّس وقوي تماما مثل صاحب الاسم الذي يشير إليه.

في كل حال، ينبغي لنا أن نتحفّظ إذ ننطق هذا الاسم المقدس، فيجب نطق الاسم الإلهي بوقار واحترام وانتباه. فكلمات يهوه لها قوة خاصة ! والكتاب المقدس يعلن أنّ القدير عظيم القوة حتى أنّ كلماته تتّسم بالقوة والتأثير بحيث تفعل مشيئته وتنجز مقاصده المقدسة (أنظر إشعياء 55: 11). ولهذا السبب لم يحتج الخالق، عند خلقه العالم، إلا إلى أن يتكلم: ("ليكن نور"، فكان نور!).